الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / الزواج بين الطوائف السورية : هل خرج عن إطار المستحيل ؟

الزواج بين الطوائف السورية : هل خرج عن إطار المستحيل ؟

ليليا نحاس

بينما كان الحديث عن الزواج بين الطوائف المختلفة قبل الثورة السورية
خجولاً، كانت تجارب الحب غير معدودة وتجارب الزواج معدودة، ومن اللافت للانتباه اليوم أن أحد أبرز المظاهر الاجتماعية التي ولدت
مع ثورة الشباب السوري هي ظاهرة الزواج من طائفة مختلفة، في ذات الوقت الذي ظهر فيه مزيج بين جبهة النصرة المتشدّدة،
والنظام الذي يتبنّى العصرنة ولا يستطيع الوصول إليها، الوقت الذي يحتاج السوريين فيه
إلى بوتقة تجمعهم تحت تصنيف مواطن سوري، أو لا مواطن سوري، بعيداً عن أيّ تصنيف
طائفي آخر .

جدل ”
ماذا يريد الشباب السوري “

يقول أبو عبد الله، وهو ناشط تابع للتيار الإسلامي”: “الحديث عن الزواج المدني، أو الزواج من
طائفة مختلفة في وقت الحرب، وبعد الخسائر
المادية والبشرية التي تكبدتها سوريا، هو نوع من الترف الفكري، وأسميه شخصياً ( فزلكة العلمانيين).
بالرغم من أن الزواج من طائفة مختلفة ليس محرماً في الإسلام، لكنه غير مستحب
اجتماعياً، والوقت الأنسب لمناقشته هو بعد سقوط النظام، واستقرار البلاد، وتصالح
الطوائف السورية- إن حدث- “

ويردّ الأستاذ أشرف بقوله: ” لا يمكننا كثوار، نكرس حياتنا
للثورة تحت شعار الحرية والعدالة الاجتماعية، أن نحد من حرية الناس، ونؤجل الحديث
فيها لمستقبل لا نعلم متى سيأتي، مدعين
أنه وقت حرب. أليس استشراف المستقبل، بل
استحضاره، في زمن هذا الدمار أمراً مشروعاً؟ لا بل ضرورة لم تعد تحتمل الانتظار!”

تجارب ”
زوجتي تخالفني المذهب و توافقني ثقافة الحياة “

حلب – سامر (42 عاماً ) متزوج من علا ( 34 عاماً)، ¸ ينتمي سامر إلى
الطائفة السنية، و تنتمي علا إلى الطائفة الإسماعيلية، عقد قرانهما بعد مرور سنة
على بداية الثورة. يصف سامر تجربة زواجه بقوله: ” ما يجمع بيننا هو حبنا و
تفاهمنا، لذلك لم تستطع أوهام الناس أن تفرقنا. لدى الناس أفكار مفترضة عن الطائفة الأخرى، لم يظهر
بيننا أي خلاف بسبب طائفي، عائلتي وعائلة زوجتي منفحتان نسبياً، وكانتا داعمتين
لنا. ” وتقول علا: ” لم أعرف باختلاف الطوائف إلا بعد وصولي المرحلة
الثانوية، لم يطرح الأمر أبداً في عائلتي، ولم يتعاملوا مع زوجي عند تقدمه لخطبتي
إلا على أساس شخصيته وتفاهمي معه “.

يحيط بهذه العائلة الصغيرة مجموعة من
الأصدقاء، وهم من ناشطي الثورة للعمل المدني، يقول صديقهما المشترك فراس: ”
تعرّف سامر وعلا على بعضهما خلال أيام الثورة الأولى، وأثناء التنسيق لأحد النشاطات،
كنا نتحدث كثيراً عن حلمنا ببلد متعايش وعن الحريات الشخصية، زواجهما كان انتصاراً
معنوياً لجميع الأصدقاء، تفاءلنا بوطن فيه
الكثير من علا وسامر.. “

يتحدث عمار (40 عاماً) موظف،
سني، عن الصعوبات التي واجهت زواجه قبل ما يزيد على السنة بسناء (33عاماً) وهي موظفة علوية، وكلاهما من
ريف حمص، ويقول: ” ضغطنا كثيراً على أهل زوجتي ليوافقوا على زواجها مني،
وقبلوا ذلك خوفاً من الهرب والزواج “خطيفة” (من دون موافقة الأهل) “، ويضيف
عن علاقتهما بعد انطلاق الثورة والتجييش الطائفي: “لم تؤثر فينا هذه
التحريضات الطائفية، نحن نختلف ونتفق كأي زوجين طبيعيين… نتخاصم على ترتيب البيت
وزيادة الملح على الطعام وترك الشعر في المغسلة فقط… ولم ولن يؤثر الاختلاف الديني
على حياتنا لاشتراكنا بعقلية علمانية واحدة، استطاع حبنا أن يفعل ما لن تقدر
السياسة على فعله لسنوات “.

قانونياً

يتحدث الأستاذ عامر، وهو محام، عن التشريعات السورية المتخصصة
بالزواج: “تنبع التشريعات الناظمة لمؤسسة الزواج في سوريا من قانون الأحوال
الشخصية السوريالصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 في أيلول
/سبتمبر 1953 ،
والذي لا يزال معمولا
ً به، على الرغم من
مساوئه العديدة، يعتبر هذا القانون امتداداً للقانون الصادر عام 1917 من طرف
المشرّع العثماني في الأراضي السورية واللبنانية، وعلى الرغم من أنّ الدولة
التركية ألغت هذا القانون واستبدلته عام 1925 بالقانون المدني التركي، المستمد
بشكل رئيسي من القانون المدني السويسري، فإن سوريا لا تزال متمسكة به حتى يومنا
هذا، لا يمنع القانون السوري الزواج بين الطوائف الإسلامية- على اختلافها- فلا
يضطر أي من الزوجين لتغيير دينه إذا كان منتمياً لأي منها، عدا الشاب الدرزي الذي
يجب أن يشهر إسلامه. يقول المحامي أيهم: “رغم اعتبار الطائفة الدرزية إحدى الطوائف
الإسلامية، إلا أنها تمتلك محكمة شرعية خاصة بها، وقد استثنت المادة 307 من قانون
الأحوال الشخصية تطبيق بعض أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة للدروز، والمحكمة
المذهبية الدرزية تفرض على الزوجين أن يكونا درزيّي الأصل، فالمذهب الدرزي لا
يُعتنق”.

ما
الفرق الحقيقي بين الزواج المدني و الشرعي

يقول الأستاذ عامر: ” إن الزواج المدني يختلف تماماً عن الزواج
الشرعي؛ حيث يعتمد الأول على أنَّ العقد شريعة المتعاقدين، لا تحكمه الشريعة أو
الكتب السماوية، بل يحكمه القانون الوضعي، ويمكن إدخال أيّ شرط يريده الطرفان
ويرون من وجهة نظرهم أنه الأفضل لهم لمتابعة الحياة “، مشيراً إلى أنه ”
من الممكن هنا أن يتمّ وضع بعض الشروط التي تخالف الأعراف الاجتماعية؛ كأن يوضع
شرط جزائي للطلاق، أو أن يتمّ التعاقد على أساس أنَّ العصمة بيد المرأة، ومثل هذه
الشروط تخالف الوسط الاجتماعي، وتضع فاعله في حالة إقصاء عن المجتمع”.

وعن رأيه الشخصي كمحام في تشريعات الزواج في القانون السوري، ومدى
قربه من احترام حريات وحقوق الناس، يقول:

” تتسم منظومة قوانين الأحوال الشخصية في سوريا بتكريسها
للطائفية وزعزعة الاستقرار القانوني، فضلاً عن انتهاكاتها المستمرة للحقوق
الأساسية للإنسان، وخاصة الحرية الدينية والمساواة بين المواطنين في الحقوق
والواجبات وأمام القانون والقضاء، فيتم بداية تطبيق هذه التشريعات الدينية الإسلامية على غير المؤمنين بالديانات التوحيدية،
أو العلمانيين، وحتى البهائيين، وغيرهم من المنتمين إلى أقليات دينية غير معترف
بها رسمياً، كما أنّ استصدار هذه التشريعات من طرف رجال دين، فيه اعتداء على سلطة
الدولة، التي من المفترض أن تكون صاحبة الحق الأساسي والحصري بالتشريع”.

التصالح
الطائفي أم الزواج الطائفي.. من يأتي أولاً ؟

علي، طالب جامعي، يوضّح: “من سيحدد قبول المجتمع هو الشباب، فهم
المستقبل’، التجارب الأولى ستعاني كثيراً، لكن أيّ تجديد أو تغيير في المجتمع يُقابل
بالرفض بداية، لكنه بحاجة إلى خطوة جريئة أولى ليبدأ مشوار الصلح الاجتماعي، سيأخذ
الأمر وقتا،ً والمهم أن نبدأ “.

هبة، طالبة جامعية، تقول: ” يجب إعادة النظر في كل القيم
والأفكار التي نشأنا عليها، ولو لم تكن كلها خاطئة، هناك ضرورة كبيرة لبناء سوريا على أساس جديد
ديمقراطي، يكرّس حقوق الإنسان، والتعددية الفكرية، والحريات العامة والخاصة،
والحقوق والواجبات، نحن بحاجة لنضال أكثر، لندفع المجتمع لتقبل الآخر، ولندفع
المعنيين إلى البحث عن قانون يشرّع الزواج المدني ، حتى تكون المواطنة أولاً !”

يقول الأستاذ عمار: ” موضوع الزواج المدني والزواج بين الطوائف
السورية، يجب إثارته ونقاشه وتبنّيه أكثر من أيّ وقت سابق؛ لأنه يقرّب المواطنين
من بعضهم، ويشدّهم إلى بعضهم،ويرسّخ الحقوق، ويجعل العلاقة بين أبناء الوطن
تقوم على أساس الحقوق والواجبات، لا على أساس الدين”.

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *