وردة مصطفى
أسئلةٌ كثيرة،
ومشاعرَ أكثر تتزاحمُ في عقولِ الأطفالِ السوريين وقلوبهم البريئة، يبحثون من
خلالها عن طفولتهم المفقودة. ماذا تحمل هذه الحرب في أحشائها غيرَ الألم والمعاناة
ولمن؟!
لتلك النفوس
البريئة التي تعيش الأزمة السورية، سواء عاشتها بشكلٍ مباشر
في المناطق التي تعرضت للقصف والدمار والقتل والتهجير والتعذيب والخطف، أو من خلال
مشاهدةِ هذه المناظرِ القاسيةِ والمرعبةِ، والتي تتنافسُ البرامجً الإخبارية
-المؤيدة للنظام السوري أو المعارضة له على بثها، وبالتالي قد يكون الزمنُ كفيلٌ
بتجاوزها ونسيانها، أو تترك أثرها النفسي بداخل كل من عاصرها، وهنا بيت القصيد.
اختلاف وتشابه
حسب المناطق
قتالٌ شرس، خطفٌ،
تعذيبٌ، قصفٌ، نزوحٌ، تهجيرٌ…..تجاربٌ مؤلمةٌ ومفاجئةٌ، وأحداثٌ قاسيةٌ، يسمعُ
بها الأطفال في سوريا، أو يشاهدها، أو يعيشها، تزعزعُ نموّهم الجسدي والاجتماعي
والنفسي. فتُظهر ردودَ فعلٍ عنيفة تجاهها، تختلفُ باختلافِ شخصيةِ كل طفلٍ وعمرهِ
وجوهِ العائلي، والحدث الذي تعرض له؛ عموماً تتشابه آثارُ النزاعاتِ المسلحةِ على
الأطفال كالضياعِ، الاغترابِ، الخوفِ، الرعب، الغضبِ، الضغطِ النفسي، وعدم الشعور
بالحمايةِ والأمانِ والثقة، بالإضافةِ إلى اضطراباتٍ مختلفةٍ في النومِ والأكلِ
والحركة، فضلاً عن الآلامِ الجسديةِ المتنوعة.
هذا، وقد
تتزايد حدةُ هذه المشاعر أكثر إذا لم يتلقَ الأطفال الدعمَ اللازمَ لمواجهةِ
التغيراتِ والظروفِ الجديدة، وبالوقت ذاته.. تصبح انفعالاتُ الأطفالِ غير عادية
عندما تشتدُ حدةُ النزاعاتِ.
فأطفال المناطق التي تتعرض للقصف والتهجير تختلف
عن الأطفال الذين يعيشون في المناطق الآمنة، والتي تستقبل المهجرين والنازحين من
المناطق الساخنة، ،فتخرج حينها من نطاقِ الأهلِ والمدرسةِ لتدخل ضمن اهتمامِ وعلاجِ
متخصصينَ، من شأنهم تعرّف حقيقةَ التجارب التي مرّ بها الأطفال، وشعورهم الحقيقي
تجاهها ليتمكنوا من التدخلِ الفعّالِ لمعالجتهم.
لماذا الأطفالُ
خاصةً؟!
لعدة أسباب
أهمها: عدم امتلاكهِم القدراتِ الذهنيةِ الكافيةِ التي تسمحَ له أن يستوعبَوا الخبراتِ
الصادمةِ، والتي يفشل الراشد غالباً في استيعابها، يضاف إلى ذلك عدم قدرتهِم على
التعبيرِ الكلامي عن معاناتهِم كما يعبرُ من هو أكبر منهم، فيصابون بتلك
الاضطراباتِ المختلفةِ في المشاعر والسلوك.
– آية طفلة تعرضت للتهجير مع عائلتها من ريف حماه إلى
المدينة بعد تعرض المنطقة للهجوم من قبل المعارضة المسلحة، أما ليلى فقد هجّرت
وعائلتها من حي صلاح الدين في حلب الذي تعرض للقصف من قبل قوات النظام، لتسكن
وعائلتها البالغ عدد أفرادها 7أفراد في المدينة الجامعية بحلب في غرفة صغيرة مصممة
لشخصين.
أما غيث فاضطر
بعد هجوم المجموعات التابعة لداعش للنزوح من الرقة إلى الحدود التركية، ليجدوا
مخيمات اللاجئين في استقبالهم، والتي تفتقد للمقومات الصحية من كل النواحي. يُحِدثُ
هذا التهجيرُ الذي يتعرض له الأطفال في بعض المناطق السورية، أو أغلبها، سواءَ كان
مؤقتاً أم طويلاً، داخلياً أم خارجياً، تغيراتٍ سلبيةٍ في نمطِ حياةِ العائلة بشكل
عام، والأطفال خاصة، فانتقالهم من أجواءٍ ألفوها إلى بيئةٍ جديدةٍ وغريبةٍ عن
عاداتهم وثقافتهم يشكل عبئاً عليهم، فيصبحون عرضةً لمخاطرَ ومشكلات، تبدأ بسوءِ
التكيفِ مع البيئاتِ الجديدةِ، والتي انتقلوا إليها قسراً تحتَ وطأةِ الرعب،
وصولاً لمشاعرَ الحنينِ إلى الأماكن التي نزحوا منها، وتتمازجُ تلك مع مشاعرِ
الخيبة والضياع والإحساس بالعجز والقهر، وقد يتوج بالاكتئابِ الحاد.
–
إن مشاركةَ الآباءِ والأخوةِ في القتال المسلح لأي طرف من الأطراف، يشكل صعوباتٍ
إضافية على الأطفال، فهم يخافون على سلامتهم من ناحية، ويفتقدون لدعمهم من ناحية
ثانية، وبالتالي تُفتَقد مشاعرُ الحبِ والأمانِ والحماية.
لا يتوقف الأمر هنا، فقد يكونُ الأطفال ضحايا العنف “كالخطف
والتعذيب”، وأحياناً أخرى “المشاركة في أعمالِ القتال”. فهاهو
الطفل خضر الذي ترك مدرسته لينضم للقتال مع اللجان التابعة للنظام، ومحمد الذي
سارع بالانضمام إلى الكتائب التابعة للمعارضة المسلحة رغم صغر سنهم وقلة خبرتهم.
وفي كلا الحالتين يتلقى الأطفالُ هنا تربيةً عنيفةً تزرعُ في أنفسهم مشاعر يسودها
الحقد والانتقام والعدائية، وقد يتعرضون لإصاباتٍ جسديةٍ مختلفةٍ تترك أثرها
العميق.
عندما نفهم نوعيةُ
الأحداثِ التي يتعرض لها الأطفال السوريون، يمكننا فهمَ ردودِ الفعلِ الناجمةِ عن
الأزمة التي يعيشونها، “فقد لا يكون الخوف والقلق الذي يشعر به الطفل، ناتج
عن انفصالهِ الإجباري عن عائلته، بل القلق من مصيرِ والده الذي ذهب ليشارك في
القتال”.
– حنان طفلة من ريف إدلب، فقدت كامل أفراد أسرتها في
القصف الذي تعرضت له منطقتها، فيما فقد الطفل علي والده الذي تطوع للعمل مع اللجان
التابعة للنظام أثناء الاشتباكات.أما الطفل أحمد، فقد والده الذي يقاتل في صفوف
المعارضة المسلحة أثناء هجومهم على نقطة عسكرية تابعة للنظام.
أطفال سوريون
حالهم كحال حنان، وعلي، وأحمد، يتعرضون لفقدان أشخاص من أفراد أسرتهم أو عائلتهم
الممتدة، فيسبب لهم هذا الفقدان ضغطاً نفسياً كبيراً قد يصل إلى الاكتئابِ في بعض
الأحيان، حيث يشعر الطفل بالهزيمةِ أمام الظروفِ الصعبةِ والمؤلمة.
ففقدان الأحبةِ،
وعدم القدرة على الثأر أو التنفيس، إضافة إلى الحقدِ تجاه من سبّب المعاناة، يؤدي
إلى هبوطِ المعنويات، والميلِ إلى الانطواء والعزلةِ، وقد يرافقه شعورهُ بالذنب،
شعورهُ بالعجز، شعورهُ باليأس في أغلب الأحيان…
صحةُ الطفلِ النفسية
إذاً.. يمرُّ الطفل
في ظل الأزمة السورية بتجاربَ صعبة يحاول نسيانها أو تناسيها، وقد نعتقد أنه
تجاوزها، لكن سنكتشف مع مرورِ الوقت أنه مازال يعيشها وأثرت على نفسيته وحياته
ونموه.
من هنا تصبح صحةُ
الطفلِ النفسية خاصةً، عرضةً للكثير من الاضطرابات، تظهر هذه الاضطرابات من خلال
المشاعرِ التي يعبر من خلالها الطفل “أياً كانت نوعية هذه المشاعر”، أو
يكتمها ويكتفي بالصمت -لكن صمت الطفل لا يعني مطلقاً أنه لم يتأثر- أو قد تظهر تلك
الاضطرابات في سلوكياتهِ، والتي تكشف عن المشاعرَ الخفية المتزاحمة في قلبهِ
الأبيض.
إذاً فإن التعاملَ
مع الأطفال المتضررين من الحرب التي تعيشها سوريا اليوم، يشكلُ تحدياً كبيراً وذلك
بسبب قدرة الأطفال الضئيلة على التعبيرِ عن آلامهم، ولأن تعاملنا معهم في هذه
الحالات ليس مجردَ تلبيةً لاحتياجاتهم الأساسية في الطعام والشراب والسكن، فهناك احتياجات
أخرى لا تقل أهميةً عنها، من الأمان،ِ والحمايةِ، والانتماءِ، والتقديرِ،
والانخراطِ الاجتماعي. ولن يكونَ تطورُ الطفلِ شاملاً ومتكاملاً بدونها، لكن
وللأسف الشديد، يفتقد مجتمعنا إلى المعرفة العلمية في المواضيع النفسية، والتدرب
على الآليات النفسية لإعادة تأهيل النفس والفكر في مواجهة ما يحدث، فمن بالغ
الأهمية نشر الثقافة النفسية كجزء لا يتجزأ من ثقافة المجتمع السوري داخل سوريا
وخارجها.
الحاجة إلى
المؤسسات الخدمية النفسية الاحترافية
إن ما يفتقده أطفال سوريا هو المؤسسات
الخدمية النفسية الاحترافية، ذات المرجعية العلمية والخبرة العملية. فبالرغم من
استنفار منظمات الطفولة ومجموعات كثيرة للعمل في الدعم النفسي، إلا أنه مازال
عبارة عن جهودٍ فردية على المستوى العلمي والعملي، في مقابل الاحتياجات الضخمة
التي يحتاجها عدد كبير من الأطفال السوريين، والأهم أنها تحتاج إلى تطوير تنظيمي،
بحيث تشمل جميع الأطفال المهجرين داخل سوريا وخارجها، بالإضافة إلى التزام منهج
علمي مضبوط في تقديم الدعم النفسي الصحيح بطريقة دقيقة، ومتابعة تقييم الحالات
وتوثيقها بالتقارير، حتى الوصول إلى مرحلة الشفاء الكامل.
الحاجة للدعم
أطفالنا في
سوريا بأمسِّ الحاجةِ إلى الدعمِ لاحتواءِ الصدماتِ، وتقليلِ الآثارِ السلبيةِ
الناجمةِ عما يتعرضون له أثناء النزاع المسلح التي تشهده سورية، بأمسِّ الحاجةِ
إلى الدعمِ لتخطي الأزمات القاسيةِ والعصيبةِ عليهم، بأمسِّ الحاجةِ إلى دعمٍ
يشعرهم بكينونتهم، بأنهم ذوو قيمة، بأنهم أصحاب قدراتٍ إيجابية، وهذا يحمّل
التربية عموماً مسؤوليةَ الأطفال، فهي تحميهم جسدياً ونفسياً وفكرياً، من خلال
توفيرِ مساحة آمنةٍ تساعدهم على امتصاصِ الصدماتِ، واكتسابِ المهاراتِ الضروريةِ
للتكيف والتأقلم مع الظروفِ الصادمةِ ومواجهتها، والأهم من هذا وذلك، النظر إلى
المستقبلِ بعينِ التفاؤلِ والأملِ بغدٍ ٍّ..مشرقٍ.. وجميل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث