عبد القادر عبد اللي
على هامش اجتماع مجلس التعاون الأعلى التركي –
الروسي الرابع، عقد رئيس الحكومة التركية رجب طيب أرضوغان اجتماعاً مع الرئيس
الروسي فلاديمير بوتين.
سبق اجتماع الرئيس الروسي ورئيس الحكومة التركي
اجتماع ضم وزيري خارجية البلدين داوود أوغلو ولافروف. وبعد الاجتماع غرّد داوود
أوغلو على تويتر بالتالي: “اجتمعت مع زميلي لافروف قبيل اجتماع مجلس التعاون
الأعلى التركي الروسي، وبحثنا في قضايا سوريا والقوقاز والعلاقات الثنائية.”
وهذا يعني أن داوود أوغلو لا يريد البوح بما حدث في الاجتماع، وعدم البوح ينبع من
سببين إما أن هناك قضايا خطيرة لا يمكن البوح بها، أو أنه لا يوجد شيء يستحق البوح
به، وبقيت المواقف على حالها.
لم يختلف موقف أرضوغان عن موقف وزير خارجيته
كثيراً، فقد أسمى أزمة منطقة القوقاز باسمها (المشكلة الأذربيجانية الأرمينية)،
وأضاف العراق إلى القضايا التي تم بحثها، وتابع بكلام عام لا معنى له: “وأؤمن
بأن هناك خطوات يمكن أن نخطوها معاً في هذه القضايا، وما بحثناه يمكن أن يشكل
إطاراً للمستقبل”، ولكنه أدرج عبارة دبلوماسية (على غير عادته):
“في سورية وضع أدى إلى مقتل 150 ألف إنسان. تحقيق العالم بمقتل 1500 –
1600 إنساناً بالسلاح الكيماوي، وعدم تحقيقه بمقتل مئات الآلاف بالأسلحة التقليدية
أمر يحمل الكثير من المعاني.” لم يحدد أرضوغان المجرم الذي قتل المائة
وخمسين ألف إنسان، وحتى لم يلمّح إليه، (لنفترض عدم وجود سوء نية بكذب وسائل
الإعلام العربية والناطقة بالعربية الموالية مثل روسيا اليوم بقولها إن أرضوغان
حمل الإرهاب مسؤولية القتل، والمعارضة كلها تقريباً بقولها إن إرضوغان حمل النظام
السوري مسؤولية القتل محرفة هذه العبارة، لأنها فعلاً كما يُرى تحتمل التأويل
بسهولة)، ولكن موقف بوتين كان قوياً (وقحاً بالنسبة إلينا نحن الذين نعتبر أنفسنا
سوريين) فقد عقّب على كلام أرضوغان قائلاً: “الإرهابيون هم الذين قتلوا
هؤلاء!” ولم ينهض أرضوغان، ويقول عبارته الشهيرة التي أشهرها بوجه بيريز في
دافوس “One minute“.
الملاحظ أن أرضوغان للمرة الأولى لم يتهم النظام
السوري بشكل مباشر، وأسف على غياب التحقيق، وكان سنده القانوني قوياً (بالمنطق
والقانون) فهو يدعو للتحقيق بمقتل مئات الآلاف، على غرار التحقيق بمقتل 1500 –
1600 فقط، أو يستغرب التحقيق بمقتل 1% من مجموع من سقطوا في سوريا، وعدم التحقيق
بمقتل الـ 99%، ولكن بوتين يرفض حتى مجرد التحقيق، فالقرار لديه صدر، وهو حكم قطعي
غير قابل للطعن. ماذا يُفهم من هذا الكلام؟ هناك احتمالان:
الأول: الموقفان التركي والروسي بقيا كما هما
تماماً، لذلك لم يُر ضرورة لإعلانهما على الصحفيين، ولم يفلح الصحفيون بانتزاع أي
شيء حول الموضوع السوري. وهذا يعني بأن رئيس الحكومة التركية فشل بتليين الموقف
الروسي ولو قليلاً، وعلى الرغم من الأرقام الاقتصادية الهائلة التي زين فيها
أرضوغان مؤتمره الصحفي، وحديثه على الآفاق المستقبلية: بلغ حجم التبادل التجاري
لعام 2012 خمسة وثلاثين مليار دولار (للمقارنة فقط: لم يصل حجم التبادل التجاري
بين سوريا وتركيا في أفضل الأعوام إلى الهدف المعلن ملياري دولار)، وقد تجاوز رقم
استثمار الشركات التركية في روسيا الخمسين مليار دولار، وزار تركيا 3,6 مليون سائح
روسي. وهذه الأرقام تجعل روسيا الاتحادية من أهم شركاء تركيا الاقتصاديين ولعلها
أهمهم على الإطلاق. أليس ثمة أمر ما وراء إبراز هذه الأرقام الاقتصادية على لسان
رئيس الحكومة التركية؟
الثاني: هل هناك تغيير بالموقف التركي. يمكن
استنتاج هذا الاحتمال من الأخبار التي تحدثت عن اعتقال مسؤول الهيئة الشرعية في
الدولة الإسلامية في العراق والشام راكان الرميحي، واعتقال عنصر من النصرة بعده
بشهرين على الأراضي التركية وكان الاثنان قد دخلا الأراضي التركية من أجل العلاج.
في الحقيقة أن الاحتمال الأول هو الأرجح، والحكومة
التركية تخوض دبلوماسية واسعة النطاق منذ فترة طويلة من أجل إيجاد حل في سورية.
وحول اعتقال عناصر الدولة الإسلامية والنصرة، فإن
تركيا لا يمكن أن تسمح لأي شخص يعتبره القانون الدولي إرهابياً بأن يمارس نشاطاً
على أراضيها. وهذا ما يستغله الشبيحة، وكثيراً ما يبلغون عن مواطنين سوريين بحالهم
وذاتهم، ينطبق عليهم المثل القائل: “يمشون الحيط الحيط ويقولون يا رب
السترة” بأنهم من النصرة أو الدولة الإسلامية في العراق والشام، وتضطر الشرطة
للقبض عليهم، والتحقيق معهم، ثم إطلاق سراحهم. وعلى الرغم من هذه الحقيقة، لا تنفك
بعض الأحزاب الكردية بأن تتهم تركيا بدعم النصرة وداعش ضدها للحيلولة دون نيل
الأكراد حقوقهم.
حاولت السعودية بما لديها من ثقل اقتصادي في
العالم إقناع الروس بتليين موقفهم من النظام السوري، ولم تفلح على الرغم من
التحليلات الكثيرة التي نشرت يومئذ عن بوادر تليين الموقف الروسي، وحاول الاتحاد
الأوربي المحاولات نفسها، ولم تفلح.
إذا كانت تركيا أكبر شريك اقتصادي لروسيا لم تفلح
أيضاً بالتأثير ولو قيد أنملة على الموقف الروسي، فهذا يعني أن وليد المعلم عندما
قال عبارته الشهيرة التي استخدمت برومو في أحد التلفزيونات: “روسيا جزء من
صمودنا” صحيحة. وأن الشراكة الاقتصادية لا تخدم الطرفين دائماً، بل يمكن أن
يكون ابتلاع أرضوغان كلام بوتين ناجم عن حجم الشراكة الاقتصادية التي تحتاجها
تركيا أكثر من روسيا، وكأن لسان حاله يقول في المؤتمر الصحفي عندما ذكر تلك
الأرقام، انظروا، تركيا بحاجة هذه الشراكة الاقتصادية، فاعذروني…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث