عمّار الأحمد
يتكشف كل يوم، أن روسيا وأمريكا ليستا
مختلفتان بما يخص الثورة السورية، فكلتاهما أرادتا إنهاء الثورة بطريقتيهما، ومنذ
بدايتها، وفقط كانتا تسعيان، إلى تحقيق ديمقراطية ضعيفة، مع بقاء الحكم ذاته. ما
أفشل تصورتهما هذا زخم الثورة، ورفض النظام المطلق لأي تغيير. التمايز أن الروس
وقفوا إلى جانب النظام وقدموا له كل أشكال الدعم، بينما أمريكا لم تقدم أي دعم
يذكر، لتكون الحصيلة، أنها تريد تصفية الثورة عبر الدعم المشروط للمعارضة وتصنيع
معارضة على مزاجها، وتقليمها وإعادة تشكيلها بصورة مستمرة، إلى أن تصبح معارضة من
أجل إحداث تغيير في النظام لا إسقاطه، أو إعادة بناء الدولة السورية بسبب الثورة
الشعبية. تشكيل الائتلاف مثال واضح.
الآن، ومع جنيف2 تتبيّن الصورة كاملة، فالروس
استلموا ملف سورية كاملاً، ومهمة الأمريكان بالتحديد الضغط على الائتلاف والجيش
الحر، وتركيا والسعودية، لينخرطوا في التفاوض، من أجل اقتسام السلطة، وتحت الأسد
نفسه، مع تقليص لصلاحياته. هذا الممكن لدى روسيا وكذلك أمريكا، وللقيام بهذه الخطورة،
كان لا بد من إنهاء كل منافذ الدعم وممارسة كل أشكال الضغط، وهو ما سمح للنظام
باستعادة مناطق في حلب وإدلب والقلمون، رغم أن هذه الاستعادة تتم بيد قوات حزب
الله وبقية الميليشيات الطائفية؟! أي أن الأمريكان ومقابل إيقاف التخصيب للنووي الإيراني،
يتم التجديد للنظام السوري، وتمكينه من القضاء على المعارضة، والجيش الحر، وإبقاء
الأرض للجماعات الجهادية، وفي مرحلة تالية التفرغ لقتالها، وبالتالي تتصفّى الثورة
نهائياً لصالح التوحد في الكتائب مع الجيش النظامي، في مواجهة الجهادية.
جنيف لا يمكن، أن يعقد دون تأمين حد أدنى من الديمقراطية
الهامشية، ولكنه ينعقد على جثة الثورة كما قلنا في تحليل سابق، ومن أجل اقتسام
السلطة بين سلطة مضعضعة ولكن مدعومة دولياً وبين معارضة هامشية، ولكنها خاضعة
لقرارات الدول العظمى والسعودية.
ما يشهده الداخل من تصعيد على كافة الجبهات،
ويقاد من قبل إيران وحزب الله وبقية التنظيمات الطائفية، والصمت إزاء ذلك من قبل
أمريكا، يوضح أن بين روسيا وأمريكا، ليس توافقاً بل اتفاقاً موحداً ضد الثورة؛ هذا
ما على كافة قوى المعارضة فهمه، والتخلص من الأوهام عن دور أمريكي داعم للثورة
ودور روسي داعم للنظام.
قتال الكتائب المسلحة مع بعضها، واعتقاد بعضها
كجيش الإسلام مثلاً، أنهم هم الثورة، وتوهم القدرة على إسقاط النظام بمفردهم، يدلّ
على رؤية ضيقة ومحدودة، وعقلية منفصلة عن الواقع. عدا عن فكرة لديهم تقول: فلتدمر بقية
الكتائب ولا سيما التابعة للجيش الحر، فنحن سنواجه النظام، وسننتصر عليه، وهو ما
يجعلهم يرفضون أي إستراتيجية عسكرية موحدة. نقول إنهم بهذا الفهم يكملون ما تقوم
به الكتائب الجهادية، من تدمير لحواضن الثورة، ولكتائب الجيش الحر، ورفع وتيرة
الصراع العربي الكردي، وبالتالي يتسلل النظام إلى مناطق محررة جديدة. ولكن الواقع
يقول: إن أي توحيد للكتائب وفي أي مدينة، ورغم شح الدعم وضبطه، سيؤدي إلى نتائج
معاكسة تماماً، وسيحقق انتصارات كبيرة ضد النظام والقوات الأجنبية المرتزقة
التابعة لإيران. وإن غياب هذا التوحد، والإستراتيجية، كانت كلفته عالية ومن أكثر
من عام على أقل تقدير. من يرفض الانطلاق من رؤية الثورة كثورة شعبية وتستهدف دولة
لكل السوريين، يساهم كالنظام في تشويه الثور بل وقتلها وانتصار النظام.
الشعب الذي طُرد، لا مكان له في جنيف، وكذلك
قوى سياسية ثورية متعددة، ومنها القوى اليسارية؛ وقد تم طرده قبل ذلك حينما تصاعد
العمل العسكري، وأصبح مسيطراً على مكونات الثورة. هذا الشعب، ربما سيستفيد من جنيف
في حال عقده، بأن يعود من المناطق والدول التي هاجر إليها، ويستعيد أرضه وعمله
وربما الثورة مجدداً؛ وهذا ما سيكون حالما يتوضح له أن جنيف قام على جثة شهدائه
وعلى ركام منازله ولن ينال أية حقوق في المرحلة الانتقالية، وستكون الأخيرة، مليئة
بكل أنواع الصراعات السياسية.
جنيف، يراد له، أن يكون درساً لكل الشعوب
العربية وسواها، أن الثورات الشعبية لا ولن تنتصر، وسيتم إغراقها، بكل أنواع
المجموعات الجهادية، لتدميرها؛ والممكن الوحيد التفاهم مع الأنظمة، والموافقة على
الفتات الذي تعطيه لهم؛ هذا درسهم، ولكن درس الشعوب، تفهمه من خلال واقعها الذي
يتطلب التغيير في كامل قضايا الحياة.
وبالتالي هناك جنيف، وهناك عملية سياسية،
وهناك حرباً على الإرهاب قادمة، ولكن ليس هناك للشعب دور في كل ذلك. إذاً لا بد
للشعب من أن يبرز مؤسسات المحلية وعلى مستوى المدن والدولة، ليعبر من خلالها عن
مطالبه العامة.
الشعب سيصطدم مجدداً بالدور الروسي، وبالنظام
الجديد القادم، فهم لن يحققوا لهه أي شيء يذكر، بل سيكون كل نشاط اقتصادي جديد،
عامل نهب وفساد، يستفيد من الخبرات المتراكمة بالفساد لدى النظام، أو لدى الدول
الخارجية.
ولكن جنيف، وربما لسبب ما لم يعقد، فما الحل؟
سيما وأن الإيرانيين وحزب الله وبقية القوى وروسيا مستمرة في دعم النظام. هذا
الموضوع يجب ألا يغيب عن الذهن، وأيضاً وفي حال عُقد جنيف ولم يحقق الحقوق ماذا
أنتم فاعلون؟
أول السياسة هنا، تتمثل في عزل المعارضة عن
تمثيل الشعب، ورفض كل ميل جهادي لا علاقة له بثورة الشعب في صفوفه، ورفض كل عمل
عسكري لا يكون تحت قيادة عسكرية موحدة ضمن إستراتيجية وطنية، مهمتها إسقاط النظام
وبناء دولة لكل السوريين، إضافة لوضع رؤية كاملة عن أهداف الثورة، كثورة شعبية
وطنية.
هذه القضايا الأولية في حال تعذر جنيف، بل
وفي حال تأجل كذلك، بل وفي حال عُقد ولم يحقق الحقوق. الثورة ليست أداة لمعارضين
ليقتسموا السلطة مع السلطة، بل هي وعبر كل تضحياتها ومآسي الشعب وكل ما حدث طيلة
قرابة ثلاثة أعوام، من أجل حقوق عامة للشعب.
إذا
لا أفق للثورة وفق اتفاق جنيف، وأفقها متعلق بعودة الشعب إليها. هذا أمر ضروري،
وأي تغيير ممكن، ربما لا يترافق مباشرة بتلك العودة، وتصبح مهمة السياسيين
الثوريين، أن يعملوا عليها مباشرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث