نجاتي طيارة
اكتشفت كتائب حمص القديمة منذ فترة أن
الخيارات العسكرية أمامها ليست مشجعة في ظل الحالة الصعبة التي وصلت إليها المدينة،
سواء من ناحية الضعف في التنظيم، أو من ناحية قلة الطعام والشراب والذخيرة، فضلاً
عن التخاذل الخارجي الذي أفقدها الأمل في أي وعود جديدة. ومن هذا المنطلق، قامت الكتائب
بتوكيل أحد الأخوة الثقات بمهمة فتح قنوات تواصل مع النظام، علّها تحصّل بالتفاوض
ما لم تستطع تحصيله بالعسكرة, وجعلت عنوان التفاوض هو ( إخراج المدنيين من
الحصار)، حين رأت بعض كتائب الوعر هذا التحرك، ارتأت أن يكون ذلك الرجل المفاوض
وكيلاً عنها أيضاً، لأنها ترى بأن مستقبل الوعر من مستقبل حمص القديمة، ولا يمكن
لأحد أن يفصل بينهما.
مضى الرجل الموكّل بمهمته التفاوضية، وقام
بلقاء كل من رئيس فرع أمن الدولة ( عقاب ), واللواء “أحمد”، قائد الغرفة
العسكرية لحمص ونائبه “طلال”، وكذلك رئيس الأمن السياسي “لوقا”,
ومن ثم خرج إلى دمشق والتقى بـ”حسام سكر”، وبعض ضباط القصر الجمهوري، و”ديب
زيتونة”، و”الأخضر الإبراهيمي”، وبعد كل لقاء مع مسؤول في دمشق
ينصحه بالتوجه للقاء ( صقر رستم ) زعيم الشبيحة في حمص، وفعلا تم اللقاء مع “رستم”
المذكور.
أخذ الأخ المفاوض مصداقية بحكم أختام
التفويض التي وقعت له من قبل الكتائب, لذلك جاءه اتصال من قبل السفارة الإيرانية
تطلب منه لقاء لأنها تعد نفسها جهة مؤثرة .
تم اللقاء بوكيل عن الخارجية الإيرانية،
وتم تحديد موعد آخر، وطالت النقاشات, وهكذا إلى أن خلص كل من سمع بتفاصيل
المفاوضات إلى أنه لا أمل بتحصيل أي مكتسب عن طريق التفاوض، وأن “صقر رستم”
قد حسم الأمر بما يخص حمص بهذه الكلمات:
( من أحب الخروج من حمص القديمة متجهاً
للحاجز للتسوية يروح يساوي تسوية, أما المسلحون فيجب أن يبادوا عن بكرة أبيهم )
( وحي الوعر لن يبقى هكذا بل لا بد من حسم
أموره، وما هي إلا مسالة وقت ) .
والطروحات التي يقدمها النظام بما يخص حي
الوعر كلها منصبّة على إحكام السيطرة على الجزيرة السابعة، ما يعني آلياً حماية
المزرعة، وإسكان شيعة الرقة في الأبراج، والسيطرة على الثامنة من على الأبراج,
وهكذا تصبح الجزيرة الخامسة والسادسة في حكم المسيطر عليها، وما هي إلا مسالة وقت
حتى يتم إحكام السيطرة على كل الوعر بأقل خسائر ممكنة.
أما خيارات أهالي الوعر، فهي: إما مواجهة
الجوع والنقص في الغاز والكهرباء والمحروقات، أو الرضوخ لسيطرة النظام، وهو ما عبر
عنه بـ ( الجوع أو الركوع ).
أما الظن أن بالإمكان الرجوع بحي الوعر
إلى ما كان عليه قبل خمسة أو ستة شهور، والعمل على الموازنة بين الحفاظ على الحياة
المدنية وإبقاء النظام خارج الحي فهو ظن خاطئ, لأن النظام حسم أمره وتغيرت نظرته
لحي الوعر بعد دخول شبابه لـ”بابا عمرو”، والإصرار على ربط مصير الحي
بحمص المحاصرة, وعجل في تسريع وتيرة التغيير في الحي تجاوزات بعض الكتائب المتسلقة
،والتي لم تنضبط ولم تراع حالة الحي الحرجة.
الخيارات الحالية
_ التنازل والتنازل، ثم التنازل.
_ الإصرار على عدم التنازل وتسليم الحي ومواجهة
الجوع والموت البطيء.
_ الهروب إلى الأمام، وكسر الحصار بعملية عسكرية
مدروسة.
حي الوعر أو (المعنيون بالأمر في الحي)
يواجهون عدة تحديات تجعل الاختيار والموازنة صعبة إلى حد كبير, وهذه التحديات هي:
_ حالة التشرذم وكثرة اللاعبين في الحي،
ما تسبب بعدم الاتفاق على جسم قيادي مركزي يتخذ قراراً ويتحمل مسوؤليته كاملة,
وأكثر ما ساهم في ذلك هو هروب كثير مما يسمى النخب ( مشايخ , أطباء , ناشطين ,
مربين … ) وتحمل ما تبقى منهم العبء الأكبر، والذي يفوق قدراتهم على التحمل.
_ ضعف الخبرات العسكرية في أغلب كتائب
الحي.
_ خسارة الحاضنة الشعبية إلى حد كبير،
والعمل بسياسة الأمر الواقع.
_ كثرة الأشخاص الذين يقومون بعملية
التواصل مع النظام، وتشتتهم، واستغلال بعضهم لهذه المهمة لتحقيق أهداف شخصية مع ما
يمارسون من نشاط في تيسير بعض من سبل العيش لأهالي الحي.
ما لم يتم تقدم عسكري سريع في ريف حمص
الشرقي, أو تقوم معجزة بتحرك الريف الشمالي، فإن حي الوعر مقدم على خيار صعب
ومستقبل غامض, ولن تسعفه دموع المغردين على السكايب، أو النائحين من وراء الحدود،
أو المنظرين من خلف الشاشات.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث