مرهف دويدري
ما أن اندلعت الثورة السورية، وسقط
الغطاء عن إعلام النظام الذي سيطر على الحياة الإعلامية في سورية، على مدى 40 عاماً
من بث أكاذيب النظام السوري الذي اختبأ تحت ستار المقاومة و الممانعة في عهد الأسد
الابن، وانتهت فكرة الصمود والتصدي التي سوق لها الأسد الأب عبر منظمات شعبية
تابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في سورية، بموجب المادة الثالثة في
دستور سورية الذي اعتمده حافظ الأسد عام 1973.
استطاع الأسد الأب أن يقنن الإعلام، ويجعله تحت سيطرة الأجهزة الأمنية
الموالية طائفياً للأسد الأب، وحصر الإعلام المقروء في ثلاث صحف ناطقة باسم وكالة
سانا للأنباء، المسيطر عليها من شعبة المخابرات العسكرية، أما الإعلام المرئي، فاقتصر
على التلفزيون السوري بقناتين أرضيتين، و قناة فضائية تبث أفكار الحزب الحاكم،
وتجعل من الرئيس إلهاً أوحد، وهو بطل كل شيء، وأول كل شيء، ابتداء من الفلاح الأول،
والمقاتل الأول، إلى ما لا نهاية من هذه الأسماء التي كرست مفهوم أن ذهاب هذا
القائد سوف يذهب بالبلد إلى دمار أو فوضى، وهذا القائد هو الضمان الأوحد لبقاء
الاستقرار في سورية والمنطقة.
في عام 2004 عندما صدر قانون الإعلام الجديد في سورية، وكان – حسب تصريح
مسؤولي الإعلام السوري – من أعطيات القائد الملهم، صاحب مسيرة التطوير والتحديث
التي أطلقها بشار الأسد في خطاب القسم عام 2000، كان هذا الإعلام بمثابة طوق النجاة
لبعض الصحفيين الذين حاولوا إيجاد كيانات صحفية، من خلال إصدار صحف و مجلات لكسر
الطوق عن الإعلام الرسمي الذي أسس لحياة مغلقة، ولكن بعد هذا القانون تم إعطاء
صلاحيات كبيرة للأجهزة الأمنية بعمل دراسات أمنية عن أصحاب المطبوعات، وعدم
الترخيص إلا للمطبوعات التي لا تتدخل في الشأن الحكومي أو السياسي، فظهرت طبقة من
رجال الأعمال عملت على إصدار عدد من المطبوعات تأخذ صفة الاقتصادية، وتتحدث عن
اقتصاد سورية، والتسويق لاقتصاد السوق الاجتماعي، الذي بدأ بالترويج له آنذاك “عبد
الله الدردري “،النائب الاقتصادي لرئيس الحكومة السورية.
ما إن سقط النظام الإعلامي السوري في أكاذيب التصدي للإرهابيين، والحرب على
الإرهاب عندما أطلقوا النار على المتظاهرين السلميين في درعا، حتى بدأ بعض الشباب
بتصوير مشاهد الفيديو، وإرسال.ها للقنوات الإخبارية، وهذه كانت شرارة انطلاق الإعلام
البديل مع ما يسمى الناشط الإعلامي الذي كان يصور بهاتفه المحمول كل المظاهرات،
وما تفعله الأجهزة الأمنية من قتل، وتنكيل في الشعب السوري على امتداد الارض
السورية.
في خطوات متقدمة، بدأت عملية إصدار الصحف والمجلات الثورية، أو التي تنحاز
للثورة السورية، دون أي لغة طائفية، بعد تقديم عدد من المنظمات التي ترعى
الديموقراطيات في العالم، و حرية الرأي والإعلام الحر، وظهر عدد كبير من الصحف
التي تلقى دعما كاملاً أو جزئياً من هذه المنظمات التي لا تعمل في إطار الأجندات
المعلبة، التي ربما تتدخل في السياسة التحريرية للصحيفة.
وبالمقابل، ظهرت تنظيمات كثيرة لها
أهداف وأجندات متعددة، قامت على دعم عدد كبير من الصحف والمجلات لتسويق أفكارها،
سواء أكان من اليمين أو اليسار، والكل هدفه إيجاد موقع له في الثورة السورية، مما حدا
بالبعض لجعلها مورد رزق على أساس أن الدعم يقدم من الجميع، وبسخاء.. فلماذا لا
يكون لي حصة من هذه الوليمة التي يأكل منها الجميع؟
في ظل هذا الضخ الإعلامي اللامنتاهي، ظهرت العديد من الصحف والمجلات، التي
هي عبارة عن دكاكين إعلامية – حسب تعبير بعض المهتمين في الشأن الإعلامي – و يقصد
بهذا الدكان أن الصحفية التي تطبع كشكل ورقي، لا توجد فيها المهنية الصحفية
المطلوبة، وما يهم في الموضوع هو هذا الدعم الذي يقدم من الجهات الداعمة صاحبة
الأجندات أو جهات تريد نشر فكرة الإعلام البديل، لتصحيح المفهوم الإعلامي في
سورية، والضحية كانت الحقيقة، والحقيقة فقط!
رغم كل هذه الفوضى الإعلامية، التي تشبه البثور المنتشرة في الوجه كمرض
جلدي، وجد عدد قليل من الصحف التي استطاعت أن تكون ذات مهنية عالية، باعتمادها على
صحفيين محترفين، و ابتعدت عن مفهوم الناشط الإعلامي، أو الصحفي المواطن الذي لم
يستطع الكثيرون إلى الآن أن يصلوا إلى توصيف دقيق لتسميته الإشكالية- على الأقل،
في سورية- إلا أن الدعم، والتمويل أحيانا يسقط الكثير من الصحف، فتحتجب عن الصدور
بسبب قلة التمويل، أو إيقاف التمويل لاعتبارات عديدة، وهذا هو السبب الأساسي- كما
اعتقد- في تراجع أهمية الإعلام البديل، وخصوصاً أن قوننة هذا الإعلام، تحتاج إلى
الكثير من العمل في المعارضة السورية، وخاصة أن ما يسمى بالحكومة المؤقتة، وما
تسرب عن هذا الكيان الذي لا وجود فيه لوزارة الإعلام، خوفاً من القيود على الإعلام، ولكن
في المقابل، لم تتفق الكتل المنضوية في الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة و
المعارضة، على تشكيل مجلس ثوري لشؤون الإعلام البديل، مهمته قوننة الإعلام البديل،
و تقديم الدعم لمستحقيه، وكل حسب ما يقدم من معلومة ذات ثقة ومصداقية .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث