ثائر الزعزوع
لم يكن جدي عواد
الشكر الذي عاش طيلة حياته في مدينة صغيرة في أقصى شرق سوريا تدعى البوكمال،
متعلماً، لكنه كان مسلماً نموذجياً، لم يتخلف إلاّ مرات قليلة عن الصلاة في الجامع
القريب من بيته، وصام رمضان منذ طفولته حتى فارق الحياة، وقد عاش طويلاً إلى أن
رأى أحفاده وحفيداته ينالون شهادات جامعية، ولم أسمعه مرة يمانع في تعليم وتعلم
فتاة أو فتى، ولم يكفّر أحداً، وكانت تربطه صداقة بجيرانه المسيحيين، وحين فارق
الحياة ترحم عليه مسلمو ومسيحيو المدينة.
حكاية جدي عواد تشبه
حكايات الكثير من المسلمين الذين عرفوا الإسلام دين محبة وحسن جوار، وعرفوا الدين
على أنه علاقة بين الخالق والعبد، وكانوا يختصرون الدين بالمعاملة، التي تعني أن
يكونوا منفتحين على الآخر، بصفته إنساناً خلقه الله أولاً، وينبغي تقدير هذا لأن
فيه اعترافاً بفضل الله، وهؤلاء المسلمون الكثيرون هم الذين نتج منهم دعاة ووعّاض،
لا بسبب إلمامهم بعلوم الدين فحسب، بل بسبب تمسكهم بالأخلاق قبل أي شيء آخر،
وحرصهم الشديد على صورة مسلم نموذجي محب مسالم.
لكنّ المشهد تغير
منذ سنوات، وبات شكل الإسلام مختلفاً تماماً فلم يعد غالبية المسلمين منذ أن
تحولوا إلى “إسلاميين” سوى مجموعة بشرية تخيف الآخر، وتسعى بكل ما أوتيت
من قوة لتدمير ما يمكن تدميره من بنى اجتماعية وثقافية وحضارية باعتبارها إرثاً
وثنياً أحياناً، أو أنها لا تتناسب مع أخلاق الإسلام، التي تتلخص وفق رؤيتهم
بتكفير الآخر، والآخر هنا ليس مسيحياً أو درزياً أو علوياً، بل هو مسلم وقد يكون
اسمه محمد لكنه لم يرغب أن يسمي نفسه أبا قتادة، ولا أن يضع صورة أسامة بن لادن
بدل آية الكرسي في بيته، على الرغم من أن الشيخ بن لادن نفسه لم يكن شبيهاً في
دعواه بمن ينتسبون إليه الآن، فهو كان يحمل أهدافاً كبرى، وسواء اتفقنا معه أم
اختلفنا إلا أنه لم ينحدر إلى مستوى قطع الرؤوس، و”التشويل” الشائع
الآن، وتكفير كل كائن حي على وجه المعمورة.
اليوم يعيش
المسلمون حالة خوف وتوجس من مستقبل أن يصعد الإسلاميون إلى الحكم، أليست هذه
مفارقة؟.
تروى الكثير من
الحكايات حول ما تفعله الجماعات الإسلامية المتطرفة في سوريا، والحقيقة أنه من
المؤلم أن تستخدم كلمة المتطرفة حين الحديث عن الإسلام، فالإسلام دين وسطي، أقرب
إلى الناس، وهو دين يقرب بين الناس، ولا ينفر بعضهم من بعض، وهو دين يؤمن
بالاختلاف، ويعطي الآخر حقه دون أن يقصيه، ودون أن يشهر السيف في وجهه، ولم يكن في
سير قادة الإسلام واحد كرهه الناس بسبب دمويته، إلا أولئك الذين كان ينظر إليهم
على أنهم ليسوا تقاة أو مؤمنين، بل كانوا رجال سياسة وعسكرة.
حملة راية الإسلام
الآن، هم أبعد ما يكون عن التسميات التي يطلقونها على أنفسهم، أو على كتائبهم
الكثيرة التي يندر الاتفاق فيما بينها، وهم يعمدون إلى التنافس على الغنائم، وكأن
شعاراتهم التي يرفعونها بضاعة رخيصة، فمن يرد إعلاء كلمة الله، كما يدعون، لا
تعنيه سيارة دفع رباعي، يختال بها في الشوارع في استعراض سافر للقوة، وفي تنفير
للبسطاء الذين بدؤوا في غير مكان يتململون، ويبدو أن أولئك القادة وأتباعهم ليسوا
قادرين على الرؤية أبعد من أنوفهم، ولا يدركون أن ديكتاتوريتهم لا تختلف كثيراً عن
ديكتاتورية السفاح الذي قام السوريون بثورة ضده، وقد قدموا حتى الآن عشرات آلاف
الشهداء، ومستعدون لبذل المزيد كي لا يتمكن ديكتاتور آخر، تحت أي مسمى كان، من
السيطرة على حياتهم، ونصب المشانق على حريتهم الفكرية والدينية والثقافية.
تتوالى الرسائل من
مختلف المناطق بشكل مطرد، كما تتصيد شاشات النظام التلفزيونية مقاطع الفيديو
المسرّبة والتي تسيء لا إلى السوريين، بل إلى كل معنى ومفهوم إنساني، وصحيح أن
النظام لا يستطيع خداع السوريين بادعائه الحرص على وسطية الدين الإسلامي، فهو تابع
لولاية الفقيه الإيرانية، وهذا يعرفه الجميع ولا حاجة لسرد تفاصيل المجازر التي
يرتكبها مرتزقة حزب الله ولواء أبي الفضل العباس فهم في الأول والأخير قوات
احتلال، لكن المؤلم أن الصورة التي ترتسم في مخيلة العالم عن “ثورة
الكرامة” السورية باتت مخيفة، فهي صورة قاتمة سوداوية تنذر بسوريا أقرب إلى
أفغانستان، فهل ثمة سوري خرج مطالباً بالحرية كي تتحول بلاده إلى أفغانستان؟.
هل هتف شباب سوريا
من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها: “حرية للأبد”، كي ينغلقوا،
ويحولوا بلدهم إلى إمارات متناحرة، تكفر إحداها الأخرى، وتنتشر الحواجز فيما
بينها، ولا يعود أبناء البلد يقترب أحدهم من الآخر لأنه كافر؟.
هذه الصورة
التلفزيونية التي تحتفي بها الكثير من وسائل الإعلام الغربية تطغى على صور مجازر
النظام، وتحوله من قاتل سفاح إلى مدافع عن فئات الشعب التي تتعرض للتنكيل من قبل
الراديكاليين.
حين قالت بثينة
شعبان إن الأطفال الذين قتلوا في غوطة دمشق بالكيماوي هم أطفال قامت تنظيم القاعدة
باختطافهم ونقلهم إلى ريف دمشق، ضحكنا عليها كثيراً وحولناها إلى مادة ساخرة، لكن
ثمة من في العالم من يصدقها، لأنه ببساطة يرى كنيسة في الرقة قد دمرت، وراهباً
إيطالياً سورياً بامتياز قد اختطف منذ أشهر ولا يعرف أحد مصيره حتى الآن.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث