لم يكن
مستغرباً نهائياً أن يكون ثلثا حضور فعالية ثقافية في دار الأوبرا السورية منذ حوالي
عام هم من مراسلي التلفزيون السوري، واليوم قد يكون مستوى التغطية الإعلامية يساوي
مستوى الحضور الجماهيري “كل 1 حضور يساوي 1 صحفي” لتلك الفعالية سواء في
الدار أو في إحدى مدرجات الثقافة التي ما زالت قادرة على ممارسة النشاط بمعدل حدث
واحد أسبوعياً على الأكثر.
هكذا وبطريقة
تعتادها الأجهزة الأمنية والإعلامية والثقافية في الأزمات، يمكن خلق مدرج ثقافي
يوحي بوجود حضور متابع، لتحمل الصورة الإعلامية مفهوم استمرار الحياة والثقافة
واستمرار اهتمام الجمهور بنشاط المؤسسة الثقافية “كما هي العادة”، أو
الإيحاء بالحياة الطبيعية على الأقل… إلا أن ملء الشاغر هذا لم يقتصر على مدرج
الأوبرا …. هو ملء شاغر في المنبر وغلاف الكتاب ورف المكتبة وخشبة المسرح والشاشة
الفضية وكل وسائل التعبير الفني والثقافي السوري…
لا يمكن أن
ينظر لفيلم مريم مثلاً “إخراج باسل الخطيب” الآن والذي يجوب سينمات
“سورية النظام” إلا كشريط سينمائي يملء فراغ الصالات وفراغ صفحات النقد
السينمائي على المطبوعات وفي الشاشات… وطبعاً هذا لا يعني أن السينما السورية
قبل الثورة لم تكن أيضاً حالات ملء فراغ فني، وإنما ملء الفراغ هذا كان في ظروف
طبيعية بحيث يمكن أن يتعدد المنتَج “مالئ الفراغ”، واليوم بظروف
استثنائي قد يكون المنتج هو شريط واحد.
وكذلك تلك
الزاوية في الصفحة الأخيرة من الصحف الرسمية واشباهها، وكرسي الناقد الفني في
البرنامج التلفزيوني، والكتاب الجديد الذي
أنجزته الهيئة العامة للكتاب أو إحدى دور النشر القليلة التي ما زالت
تطبع…. كلها كتل يتم استخدامها لملء الفراغ في ظل غياب كتاب الزوايا أو
الروائيين أو الفنانين والنقاد خارج الوطن أو داخل سجونه أو في منازلهم بعيداً عن
وسائل النظام… وأيضاً هذا لا يعني أن وضع المنتَج والقائم بالإنتاج سابقاً لم
يكن أكثر من حالة ملء فراغ لحالة ثقافية صحراوية معدومة إلا من تجارب استثنائية.
يمكن اليوم
ببساطة أن يتقدم من فشل في محاولات تقدم سابقة نحو ما شاء من صنوف الثقافة والفن
والنقد، ففراغ الساحة اليوم وحاجة النظام لمن يملأ تل الشواغر يهيء لمن شاء الظهور
“ضمن الظرف الاستثنائي الذي سيفرض على المتقدم اليوم نوعية جمهور معينة ذات
توجه سياسي وثقافي أقرب إلى تأييد النظام والاحتماء به”، إلا أن الفرصة قد
تبدو مغرية “كفرصة عمل” وقد تمنحه مكانة جيدة في الاختصاص الذي يقرر
الخوض فيه، فمن كان على هامش الحركة المسرحية “شبه الميتة” يمكنه اليوم
أن يجوب المسارح وربما المهرجانات خارج سورية كونه يمثل هذه الحركة اليوم في ظل
غياب من كان يمثلها بالأمس، وربما يجد لنفس المبرر اللائق بأن الظروف الحالية قد
فرضت على الإدارات رؤيته وتنصيبه في المكان المناسب كونها بينت الزائف من الحقيقي
والوطني من اللاوطني، وكون الوطن اليوم بحاجة إلى الكلمات الصادقة التي يبثها
بقلمه أو وسائل تعبيره الأخرى.
مالئ الفراغ
هذا يمكن تسميته باللاعب الاحتياط في الوقت الخطأ، فخياره الصائب بنظره ونظر
مؤسسته هو ما قد يفرض عليه عودة إلى دكة الاحتياط أمام مجمل الاحتمالات
المستقبلية.. إلا أن الصورة التي يجب أن تتضح أكثر هي حول مالئ الفراغ القديم أي
المثقف المنتج السوري قبل الثورة، والذي اختار بجرأة أن يتنحى عن العمل في لحظة
صدق ربما أو أية لحظة أخرى.. أين هو اليوم وأين يعمل وهل يملأ فراغات أخرى خارج
الخارطة أم أنه استطاع الانتقال إلى حيز مكاني حقيقي يمكنه إيصال رسالة ما لم
يستطع عبر سنيه السابقة إيصالها كونه مؤطر بمؤسسة رسمية رثة…. السؤال اليوم هل
كان رثاً كهذه المؤسسة فانتقلت الرثاثة معه من مكانه السابق إلى مكانه الجديد، أم
أن منتجه في طور الإعداد بعد أن نفض الغبار عن نفسه… حتى الآن لم نرى شيئاً…
ملاحظة
… فعالية دار الأوبرا التي كان أكثر من ثلثي الحضور فيها هم من مراسلي التلفزيون
السوري شهدت وجود 4 كاميرات مع حوالي 22 صحفي من التلفزيون الرسمي بمعنى وجود أكثر
من 10 مهمات وصرف بونات “استحقاق مالي” لكل الصحفيين الحضور”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث