صدى الشام- سامر كنجو
يبدو أن معاناة السوريين في محنتهم الحالية،
أبت إلا أن توغل في الزمن، لتعيد معها أوبئة وأمراض كان السوريون نسوها منذ سنوات
طويلة.
ففي العام 1999 كان أعلن في سورية رسمياً عن
انتهاء مرض شلل الأطفال الوبائي، والمعروف طبياً باسم polio، وكان المرض قد
اختفى وقتها أيضا من جميع دول العالم ما عدا باكستان، وأفغانستان، ونيجيريا، حيث لم
تسجل خلال السنوات السابقة حالات إصابة حول العالم إلا في تلك الدول، فيما ظهرت
فيروسات المرض في مياه الصرف الصحي في كل من مصر والأراضي الفلسطينية المحتلة، منذ
نحو ثلاثة أعوام من الآن، دون تسجيل إصابات.
هذا المرض، حصد حتى الآن في سورية، مستقبل
أكثر من 40 طفلاً سورياً، أصيبوا بالشلل نتيجة الفايروس، والذي ضرب محافظة دير
الزور السورية، وهو مهدد بالانتشار لباقي المناطق والمحافظات السورية، بل وحتى
بالانتشار في دول الجوار السوري.
الإنذار المبكر:
تعود القصة إلى الرابع من تشرين الأول
الماضي، حيث تلقى فريق الرصد برنامج الإنذار والاستجابة المبكر للأوبئة التابع للمكتب
الطبي في وحدة تنسيق الدعم التابعة للائتلاف السوري، تقارير تفيد بوجود حالات
مشتبهة بشلل الأطفال في إحدى قرى دير الزور، حيث توجه فريق الاستجابة التابع للوحدة
إلى المنطقة للتأكد من الحالات.
د. محمد سعد مدير برنامج الإنذار والاستجابة
المبكرة للأوبئة، كان من أوائل الذين تلقوا الإنذارات بوجود شلل الأطفال في دير
الزور، ويقول د. سعد: “يحصل برنامج الإنذار والاستجابة المبكرة للأوبئة، على
تقارير من حوالي مئة مركز طبي في أنحاء مختلفة من سورية، عبر زيارات دورية يقوم
بها مندوبو البرنامج إلى تلك المراكز، وفي الرابع من الشهر الماضي تلقينا ما يشير
إلى وجود 22 حالة مفحوصة سريرياً لها أعراض شلل الأطفال، ما دفعنا إلى التحرك
السريع حيث توجه فريق الاستجابة إلى المنطقة المصابة، وقام بفحص المرضى ليتم تأكيد
إصابة 18 حالة منهم، فيما قام بأخذ عينات مخبرية إلى تركيا للتأكد من الإصابة من
المرض”.
بعد ذلك حصل برنامج الإنذار والاستجابة، على
تأكيد شفهي من وزارة الصحة التركية بوجود فيروس شلل الأطفال في العينات التي تم
جلبها من دير الزور، وهو ما يعني كارثة إنسانية وصحية كبيرة على وشك الحدوث.
إنكار سوري وعالمي:
الحالات المثبتة سريرياً في المخابر التركية
واجهت على الفور إنكاراً ثنائياً من النظام السوري، ومنظمة الصحة العالمية، حيث
قالت المنظمة إن النظام السوري قام من جهته بفحص مريضين وأن العينات كانت سلبية
تنفي وجود المرض.
وأمام الواقع الراهن، ورفض المنظمة الدولية
الاعتراف بظهور المرض في سورية، قام فريق الاستجابة بالتعاون مع بعض الجهات،
بإرسال عينات إلى مخابر معترف بها عالمياً وأمام منظمة الصحة العالمية، لتقوم
بالفعل بتأكيد وجود المرض في سورية، وهو ما دفع المنظمة إلى التحرك على استحياء وعقد
بعض الاجتماعات مع أطراف سورية في مناطق المعارضة، قامت المنظمة باختيارها بنفسها،
ودون التأكد من إمكانيات تلك الأطراف، وذلك حسبما أشار مصدر طبي في فريق الإنذار
والاستجابة.
فريق جديد:
عقب
المشكلة دعا فريق الإنذار والاستجابة للأوبئة، والمكون أساساً عبر شراكة جمعت المكتب
الطبي في وحدة تنسيق الدعم ACU ومنظمة أطباء عبر
القارات، دعا هذا الفريق إلى اجتماعات طارئة مع المنظمات السورية والمجالس المحلية
في المناطق المحررة، لبحث وسائل مكافحة انتشار المرض. وفي هذا السياق يشير د. خالد
الميلاجي من المكتب الطبي لوحدة تنسيق الدعم، إلى أنه تم عقد اجتماعين منفصلين
الأسبوع الماضي، ضم الأول المنظمات الطبية السورية والعربية الموجودة في سورية،
فيما ضم الثاني بعض المجالس المحلية في المناطق المحررة، حيث تقرر تشكيل فريق جديد
من جميع الجهات السابقة، أطلق عليه “مجموعة عمل مكافحة وباء شلل
الأطفال”.
ويضيف د. الميلاجي: “الفريق الجديد معني
بتوفير الأرضية اللازمة للقيام بحملة تلقيح شاملة لكل المناطق السورية تحت سيطرة
المعارضة، والتي من دونها لن يكون ممكناً السيطرة على انتشار المرض وسيكون وباء
عاماً يصيب المنطقة والدول المجاورة”.
ووجه الميلاجي في السياق ذاته، دعوة مفتوحة
إلى المنظمات الطبية السورية، وإلى المجالس المحلية التي لم تنضم بعد إلى مجموعة
العمل الجديدة، إلى الانضمام كشركاء أساسيين، في سبيل توحيد الجهود للحد من انتشار
المرض والقضاء عليه.
وفي الوقت ذاته أكد الميلاجي أن الفريق الجديد
بكافة الجهات التي يمثلها، يوجهون الدعوة مباشرة إلى منظمة الصحة العالمية واليونيسف
للتعامل مع هذا الفريق بهدف التعاون في تنفيذ حملات التلقيح.
صعوبات وأماني:
على الأرض لا تبدو مهمة الفريق الجديد سهلة
على الإطلاق، حيث يتعين عليهم الوصول إلى كل طفل سورية دون الخامسة من عمره، في
المناطق المصابة أولاً، ثم في جميع المناطق السورية التي يمكن الوصول إليها، وعن
هذا الأمر يشرح الدكتور بشير رئيس مجموعة العمل الجديدة قائلاً: “يجب علينا
الوصول إلى كل طفل سوري دون الخامسة من عمره، عبر حملة تلقيح تصل إلى منزل فمنزل،
وباب فباب، وعلى الحملة أن تكون سريعة تنتهي في ثلاثة أيام، حتى يتم ضمان أن
المناطق الملقحة لم يدخلها وافد آخر من قرية أو منطقة مجاورة لم تلقح بعد،
وبالتالي علينا إنشاء مجموعات عمل جوالة في كل القرى والمناطق، وطرق جميع الأبواب
فيها، والتأكد من أن جميع الأطفال في المنطقة قد تلقوا اللقاحات ولا يجب السماح
باستثناء أحد من الحملة”.
وإضافة إلى صعوبة التحرك المعروفة للجميع في
ظل الظروف الأمنية الحالية، وصعوبة الوصول إلى كل المناطق، فإن اللقاح نفسه يحتاج
ظروفاً خاصة “محددة معيارية” ليظل فاعلاً، ويتابع د. بشير حول هذه
النقطة: “اللقاحات يجب أن تصل عبر سلسلة تبريد متصلة من مصدره لدى منظمة
الصحة العالمية إلى أصغر قرية في سورية، وهو ما يتطلب نقله في سيارات مبردة، ثم
وجود براد في كل قرية ومنطقة، مزود ويعمل دون انقطاع على الطاقة الكهربائية طيلة
فترة الحملة، إضافة إلى صناديق حفظ البرودة عبر الثلج، والتي سيتمكن المتطوعون من
خلالها من نقل اللقاحات من مراكز التلقيح إلى بيوت المنطقة المستهدفة
جميعها”.
ورغم الظروف المحيطة ومتطلبات الحملة، فإن د.
بشير يبدي تفاؤلاً في نجاح الحملة في حال توفرت اللقاحات، حيث إن أعداد المتطوعين
زادت عن المتوقع، خاصة وأن التلقيح هو عبارة عن نقاط فموية ولا يتطلب خبرات طبية
لمن يقوم بحملات التلقيح.
إلا أن د. بشير، أشار في الوقت نفسه، إلى أن
الحملة يجب أن تكرر من 6 إلى 8 مرات حتى يتم ضمان أن جميع الأطفال قد تم تلقيحهم ضد
المرض، خاصة وأن الحصول على أقل من ثلاث جرعات لا يعتبر كافياً للوقاية من المرض.
لا عبرة للتقسيم السياسي:
رغم كل الجهود التي يقوم بها فريق الاستجابة ومن
بعده المجموعة الجديدة الوليدة، فإن كل هذه الجهود تنصب على تأمين الدعم اللوجستي
للحملة، من متطوعين ونقل وتبريد وعمليات إحصاء للمناطق والقرى، ولكن يبقى تأمين
اللقاح هو العبء الأكبر، حيث أن للقاح مصدر وحيد وهو منظمة الصحة العالمية، ولا
يمكن شراؤه من أي مكان آخر.
ووسط الحاجة الماسة للقاح من منظمة الصحة
العالمية، فأن هذه الأخيرة لا تزال ترى النظام السورية كجهة وحيدة من حقها استلام
اللقاحات والمساعدات الطبية للشعب السوري كاملاً، وهي لا تعترف حتى اللحظة بأي
جهود تقوم بها الجهات المعارضة في هذا السياق، كما أن فرقها لا تستطيع العمل
منفردة في المناطق السورية نتيجة الظروف الأمنية.
وعلى التوازي، وتبعاً لشهادات الأطباء المحليين
من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، فإن النظام السوري كان يرسل بالفعل بعضاً من كميات اللقاح إلى
مناطق المعارضة، ولكنها دائما كانت كميات غير كافية، ويستدل هؤلاء على فشل منظمة
الصحة العالمية والنظام السوري معاً في إنجاح حملات التلقيح، بظهور المرض حالياً،
حيث أن جميع الحالات التي سجلت هي لأطفال دون السنتين، ما يعني أنه في العامين
الأخيرين لم تجري حملات اللقاحات في مناطق المعارضة على ما يرام، طبعاً لأن المصدر
الوحيد عالمياً هو منظمة الصحة العالمية، والتي تقوم فقط بتزويد النظام السورية
بتلك اللقاحات.
وعليه فإن انتشار المرض في تلك المناطق، يهدد
الآن بانتشاره في جميع أنحاء سورية، بما فيها مناطق النظام، ناهيك عن الدول
المجاورة، وهو ما يعني أيضاً، أن الحملة التي يجب أن تحصل في مناطق المعارضة –فيما
لو وافقت منظمة الصحة العالمية على تزويد المعارضة باللقاحات- يجب أن يرافقها حملة
موازية تماماً، وفي نفس الوقت في مناطق النظام، وهو ما يؤشر إلى صعوبة إضافية في
ظل الأوضاع الراهنة.
ناقوس الخطر وتحذيرات دولية من “تدويل
المرض”:
يشير الأطباء الخبراء في هذا المجال إلى أن
انتشار المرض في سورية، لن يقف ضمن حدودها فقط، بل هو سريع الانتشار، إلى الدول
الأخرى، الأمر الذي دفع منظمة الصحة العالمية إلى الإعلان يوم الجمعة الماضي، عن
إطلاق أكبر حملة تلقيح في الشرق الأوسط ضد شلل الأطفال، وهي تستهدف تلقيح أكثر من
22 مليون طفل خلال ستة أشهر وستشمل سبعة بلدان بينها سورية.
وكانت عدة دول مجاورة منها تركيا، بدأت فعلاً
إجراء حملات تلقيح طارئة إضافة إلى الحملات الروتينية في مناطقها القريبة من
الشريط الحدودي مع سورية، في محاولة للحد من انتشار المرض.
كما كان أطباء غربيون حذروا منذ أيام من احتمال انتقال المرض إلى
أوربا عبر اللاجئين السوريين، وذكرت المجلة الطبية البريطانية (لانست) الجمعة
الفائت، أن لقاح شلل الأطفال المستخدم في أوروبا “ليس فعالاً بما يكفي لمنع
انتقال الفيروس، وسط مخاوف من احتمال انتقاله إلى الدول المجاورة من قبل اللاجئين
السوريين الذين يعيشون في ظروف غير صحية تُعتبر مثالية لانتشار شلل الأطفال”.
يتم تداوله لمدة عام تقريباً قبل ظهور حالة إصابة بالمرض ومن غير المستبعد بحلول
هذا الوقت أن يكون مئات الأشخاص يحملون فيروسه، انطلاقاً من حقيقة أن حالة واحدة
من بين كل 200 عدوى شلل الأطفال تسبب أعراض المرض”.
أخيراً:
لا شك أن الواقع الراهن يشير وبقوة إلى ضرورة
توحيد أكبر قدر من الجهود في سبيل حماية أطفال سورية من مستقبل أسود، في حال زاد
المرض استفحالاً في سورية، وعجزت معه الأطراف السياسية المختلفة إضافة إلى منظمة
الصحة العالمية على احتواء الأمر، خاصة وإن تركزت جهود منظمة الصحة العالمية على
الدول المجاورة وأبقت تعاونها مع النظام السوري فقط، ما يقد يعني أن الحملة ستفشل
أساساً في المناطق التي ظهرت فيها المرض، ويبقى أطفال سورية الذين أصابهم المرض
حالياً، دون لقاحات فيما يحصل أقرانهم في الدول المجاورة على لقاحات كافية.
الحال السابق دفع بعض الأطباء السوريين إلى
طرح سؤال لا يخلوا من دلالات:
هل يمكن للمرض أن يوحد ولو جزئياَ جهود جميع
الأطراف في سورية على اختلاف توجهاتهم تجاه قضية إنسانية واحدة، لا تفرق بين طفل
معارض وآخر موالي؟؟!!
خلفية
منفصلة:
نصائح للأهالي:
في سبيل الحد من انتشار المرض، ينصح الأطباء
الأهالي بغسل اليدين جيداً قبل الطعام وبعد الخروج من الحمام، وكذلك غسل اليدين
قبل إطعام أو إرضاع الأطفال، والابتعاد ما أمكن عن مصادر المياه الملوثة، كما يوجه
الأطباء تحذيرهم حيال اللقاحات التي تباع في السوق السوداء، لأنها لقاحات غير
معروفة، وقد لا تكون فعالة في كثير من الأحيان، خاصة وأن المصدر الوحيد للقاحات هو
منظمة الصحة العالمية، ما يعني عدم وجود أي مصادر عالمية لشراء اللقاح.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث