الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / الصراع على سورية وكيفية إيقافه

الصراع على سورية وكيفية إيقافه

عمّار الأحمد

أصبح مصير سورية والثورة بعد عسكرة الثورة بيد الدول
الامبريالية والإقليمية، وإن لم يكن بوضع حدٍّ للثورة، ولكن بتخريب سورية وتضحيات
السوريين، وتشويه الثورة الشعبية، إلى مجرد حرب أهلية وطائفية، وحرب دولية
وإقليمية.

النظام سعى لذلك وناله. المعارضة لم تتوان عن مساعدته في
هذه النهاية غير السعيدة؛ طبعاً المسؤول الأول، الآن، وغداً، وفي أي يوم عن مآلات
سورية، هو النظام أولاً، وثانياً المعارضة وتحديداً قوى المجلس الوطني، ولا سيما
الأخوان، ولاحقاً الائتلاف الوطني؛ هيئة التنسيق مجرد تفصيل اعتراضي في المعارضة،
وتابعة للدور الروسي في تقرير مصير الثورة وسورية.

رَهنُ الثورة بيد الائتلاف، وعسكرتها، مع غياب أي إستراتيجية
لتطويرها، وانتصارها وإسقاط النظام، شلّ تطورها، وأربكه، ودفع المدن الثائرة لتخضع
إلى الكتائب المسلحة، والتي تتوزع بينها قوى جهادية متطرفة، وكتائب محلية جائعة،
ومحرومة من أبسط حاجاتها الأساسية، وتعاني ثانية من كتائب ومجموعات عسكرية من
الخارجين عن المجتمع، من عصابات سرقة وقتل ونهب وسواها؛ وربما يكون النظام أحد
محركاتها الأساسية،أي للجهادية ولمجموعات النهب هذه.

ذلك الرهن، ترافق مع تفكير ساذج لا يزال يسود المعارضة،
ويتعلق بالتركيز على دعم الخارج لها، بينما يعلن الخارج إنّه ليس معنياً بها، وهو
معني بدعم يحقق مصالحه والكامنة في ضرب قوة سورية، وإضعاف النظام، وتطييف الثورة،
وتحويل سورية إلى دولة فاشلة، وهذا ما كان سبباً للدعم المحدود، وبذلك صُفيت ومن
بداية 2013 تقريباً الروح الشعبية للثورة وأصبحت عسكرية.

سذاجة المعارضة أصيلة ولن تتخلى عنها أبداً، وصفتها هذه
لا تتعارض مع انتهازيتها، وتبعية أغلبية الكتائب لدافعي التمويل أيضاً مستمرة،
وبالتالي حل الوضع السوري، يتطلب توافقاً إقليمياً ودولياً ضمن هذا السياق.

جنيف، ورغم الضجة العالية والاجتماعات المتكررة للإبراهيمي
في دول العالم وللسفير فورد في تركيا، وسواها، لا تزال غير ذات قيمة أبداً؛ فالروس
رفضوا مقررات مؤتمر أصدقاء سورية بلندن ورفضوا رفض السعودية لجنيف، ولا زالوا
يصرون على أن الأسد سيكون في جنيف، وسيكون في المرحلة الانتقالية ودستوره باقٍ،
وبالتالي لن يعقد جنيف وإن عقد سيكون سيان، أي بلا أي معنى. ومن سيحضر من المعارضة إما هو ساقط بنظر الشعب،
أو سيسقط نهائياً. إذن.. لا أفق لجنيف في السياق المذكور.

مشكلة الثورة، أنها جاءت بظرف حساس دولياً، فالروس
يعيدون إنتاج أنفسهم كقوة إمبريالية، والأمريكيون ينسحبون من المنطقة إلى المحيط الهادئ،
عدا عن أزمتهم الاقتصادية، وفي سورية معارضة فاشلة تاريخياً في مواجهة النظام،
والشعب مغيّب عن السياسة ولا يوجد له أي تمثيل نقابي أو حزبي أو اتحادي من قبل؛
هذه الأجواء، كلها حاصرت الثورة، ومنعتها من التطور بسياقها الشعبي؛ النظام لا
يعرف أبجديات الصراع السياسي أو المجتمعي، فهو نظام شمولي مغلق، يساعده في ذلك
فئات تجارية محافظة لا تهتم إلا بالنهب كما حال النظام بالضبط؛ ورغم كل ما جرى في البلاد،
لم تحسم أمرها بعد. الماركسيون يقولون: إن رأس المال جبان، وفعلاً معهم حق في ذلك.

الثورة الآن في خطر حقيقي، وربما تذهب نحو الاستنقاع
أكثر فأكثر، فتتوسع دائرة الاقتتال القومي، والديني، والمذهبي، المناطقي، وهي
ستتوسع نحو هذه الأشكال ما دامت الكتائب تتطيّف تباعاً وتقود الثورة، وما دام
الائتلاف الوطني رهين تفكيره الساذج وتبعيته للخارج، والآن تتبع كتل منه إما
السعودية أو قطر أو تركيا أو أمريكا؛ وبالتالي هؤلاء لن تكون لهم أبداً، لا الآن،
ولا في المستقبل أية استراتيجية ثورية، ومن الغباء الشديد، أن لا تتنبه قوى الثورة
المستقلة إلى ذلك، وألا ترى عينها شيئاً خارج دائرة الائتلاف وتوابعه، ومشاريعه
الانتهازية في الولاء وسواه.

هل من حل؟ وقد تعثر الوضع، وتصاعد الخطر على مستقبل
الثورة وسورية!

من يقول بأنه لديه حل مسبق، هو مجرد كاذب، ولا ينفع هنا،
تكرار معزوفة ضرورة جنيف، أو رفض أية تسوية، أو التفكير بنهاية الأوضاع والتسليم للنظام الحاكم،
وطبعاً.. من نافل القول التسليم بأن الثورة تتجه نحو الأسلمة الكاملة، فهذا غير
ممكن بالأصل، وهو مقتلها الكبير في حال ذهبت ذلك المذهب.

لا ..لا.. هذه ليست حلولاً، هذه حلول الفاشلين فقط، وهم
كثرة، وهنا واحدة من أوجه الخطر!

يبدأ الحل، وكما أشرنا وأكثر من مرة على صفحة “صدى
الشام” هنا، بتنظيم الشعب لنفسه، في مجالس مستقلة، على مستوى الأحياء والقوى
والمدن وسورية، ورفض أي سلطة للكتائب المسلحة، ومهما كانت حجتها في تلك السلطة،
ورفض كل قضاء ديني أو محاكم شرعية، باستثناء ما يخص الأحوال الشخصية لمن يرغب فيها.
وذلك تتشكل سلطة محلية ومدنية، يكون أساسها مبدأ الانتخاب المحلي والحق بتغيير
المنتخب في أي وقت، حينما يلاحظ الناخبون مظاهر الفساد عليه أو على دائرته، ورفض
فكرة الانتخاب كل أربعة سنوات أو عامين، هذه الفكرة الرأسمالية، والتي تنتخب فقط
سلطة للفساد ولنهب الناس.

طرح إستراتيجية للثورة، تتبناها قوى الثورة مدنيين
وعسكريين، وتعلن للإعلام، وتوضح مشكلات الثورة، وأن الثورة في خطر حقيقي، وتوضح
شكل النظام السياسي القادم، وبأنه سيكون نظاما ديموقراطياً، وتعلن وبوضوح رفضها
لكل مظاهر الطائفية والتعصب القومي في الثورة وفي المعارضة، وأن الجهادية من داعش والنصرة
ليست من الثورة بشيء، ولها مشاريعها القروسيطة أو الإرهابية، ويساعدها في ذلك
النظام وإيران ومجموعات متطرفة في دول الخليج وسواها.

وتتضمن كذلك القول بأن الثورة وتطورها من اختصاص الشعب
السوري، ولا سيما فقرائه في كامل سورية. فهي كانت كذلك، ويجب أن تعود إلى ذلك.
ونبذ تمثيل الائتلاف للشعب، وأن كتائب كثيرة أخطأت بكثير من الممارسات الطائفية
والعنفية والتي أصبحت منهجية لدى بعض الكتائب، والمساهمة في إطلاق سراح كثير من
المعتقلين من سجون الكتائب المسلحة وفي كامل المدن السورية، والإصرار على أن رحيل
النظام ضرورة لا محالة، وأن المحاسبة أمر لا بد منه لكل من قتل السوريين.

ربما سيعتقد البعض أن تحليلي ضرباً في الأوهام، وربما
سيقول البعض أنّه كلام شخص متوحد، يكتب من خلف شاشة كمبيوتره. ربما الأمر كذلك،
ولكن الحقيقة أنّ عاماً كاملاً من الاستعصاء عن التقدم ولو خطوة للأمام في مسألة
جنيف، والكر والفر بين السلطة والمعارضة على جبهات القتال وتدمير المدن وقتل
الناس، وتعزيز الجهادية لدورها، وبقاء الروس على موقفهم، وبقاء الأمريكان على
موقفهم، يثبت ضرورة المبادرة الداخلية؛ مبادرة الشعب من أجل انتصار الثورة وسورية.

تحليل اللحظة الراهنة يستدعي هذا الحل. يستدعي تكثيف
الجهد السياسي، للوصول إلى استراتيجية بديلة. إن استمرارية الإستراتيجية الغبية
السابقة، لها دور كبير في كل الدمار والدماء الذين أهلكا السوريين وسوريا؛ سورية
ليست بخير أبداً، والسوريون يموتون وينزفون ويجوعون ويبردون، وجنيف ليس على
الأبواب، والنظام مستمر بنهجه الوحيد، أي النهج الأمني العسكري، وبالتالي يجب
إعادة تنظيم صفوف الثورة، وتشكيل قيادتها من جنيف، واستراتيجيتها. ربما هذه أبرز
نقاط بداية التفكير بالحل.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *