ريفان
سلمان
يبدو
أن صوت الطفل طراد الراكان الأحمد الذي لا يتجاوز من العمر 13 عاماً سمع ووصلت صورته
إلى قيادة حركة أحرار الشام الإسلامية وتراجع بذلك احتمال حدوث مواجهة غير مرغوبة بين
أبناء العشائر ومقاتلي الحركة على خلفية مجزرة المدمومة التي ثبت تورط الأخيرة في ارتكابها.
وقعت
المجزرة في 26 آب الماضي تاركة تداعياتها أمام ثلاثة احتمالات أكثرها تشاؤماً لدى مقاتلي
العشائر هو تنكر الحركة لارتكاب عناصرها الجريمة وقيامهم منفردين بالقصاص من مرتكبيها
وعدم اكتراث أي جهة محلية أو دولية بما حدث مما سيؤدي إلى ضياع حق عائلات بأكملها والذين
ينتمي معظمهم إلى أمراء قبيلة الموالي، أما الأكثر احتمالاً هو تنكر حركة أحرار الشام للمجزرة واضطرار مقاتلي
العشائر للقصاص منهم بمساندة قوى أخرى من مقاتلي المعارضة الذين أدانوا المجزرة وتعهدوا
بالقصاص من مرتكبيها، أما الاحتمال الأكثر تفاؤلاً فهو رضوخ الحركة واعترافها بالجريمة
وقيامها بمحاسبة منفذيها والمتورطين بها والقصاص منهم.
اتبع
مقاتلي العشائر الذين ينتمون للمعارضة استراتيجية بعيدة المدى وعملوا على ضبط الموقف
أملاً بالوصول إلى الاحتمال الثالث أو الثاني أو الأول على أقل تقدير ولكن بطريقة منضبطة
كي لا تنزلق منطقة العشائر شرق معرة النعمان في إدلب وأرياف حماة وحمص وحلب إلى أتون
الفتنة وبالتالي يحقق النظام السوري غايته في ضرب مقاتلي المعارضة في عمق المناطق التي
تسيطر عليها المعارضة وقد يتنبه إلى نموذج يرى الكثيرون أنه ليس بغافل عنه ويعمل من
أجله ليل نهار.
انطلقت
خطة العشائر في جلب الدعم والتأييد لموقفهم وتنديد جميع الأطراف بمرتكبي المجزرة أياً
كانوا وطالبوا جميع جهات المعارضة بإدانتها وعملوا على ضبط الموقف الذي انفلت خلال
الساعات الأولى من صباح يوم المجزرة وأدى إلى مقتل عدة عناصر من مقاتلي المعارضة الإسلاميين
المارين من المنطقة ذات البعد الاستراتيجي لهم، ورضخ أبناء العشائر لصوت قادتهم وسارعت
قوى المعارضة الأخرى إلى إدانة المجزرة وطالبت شيوخ العشائر وخصوصاً المقاتلين منهم
في صفوفها بضبط النفس وكشف الفاعلين.
سلك
مجرى الأحداث مسلكاً غير واضح خلال الشهر الأول من حدوث المجزرة ولم يساعد مقاتلي المعارضة
أبناء العشائر في كشف تفاصيلها إلى أن قام بعض أبناء القبيلة بخطف أربعة عناصر من مقاتلي
حركة أحرار الشام المتهمة بارتكاب المجزرة، فردت الحركة بحشد المقاتلين المجهزين بمختلف
صنوف الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والفردية مهددين باقتحام المنطقة إذا لم يطلق العشائر
سراح عناصرهم المختطفين، وهو أمر استهجنته العشائر لأن أحدا لم يكترث لدماء 17 ضحية
و3 مفقودين و3 جرحى جراء ارتكاب الجريمة لتعطي هذه الحادثة مجريات الأحداث دفعاً جديداً،
فشكلت محكمة قضائية شرعية للتحقيق في الجريمة من شيوخ يختار ثلاثة منهم العشائر وثلاثة
آخرون الحركة وواحد مرجح يختاره مقاتلي المعارضة عبر كتلتين هما شهداء سوريا وأحفاد
الرسول الضامنتين للاتفاق فذهبت القضية باتجاه الاحتمال الثاني.
انقضى
حوالى الشهر ونصف الشهر تقريباً من حدوث المجزرة ولم تتوصل الهيئة الشرعية إلى أي نتيجة
بعد أن رفضت الحركة حضور اجتماعات اللجنة المكلفة ولم تقدم المتهمين للمثول أمامها
ناقضة بذلك الاتفاق المبرم وعملت اللجنة فقط على إطلاق سراح المخطوفين من الحركة وهو
ما دفع أبناء العشائر للقيام بعملية خطف أخرى وبشكل مدروس على طريق سراقب وقع إثرها
عنصران من عناصر الحركة في قبضتهم ليكتمل بعد ما أدلوا به من أقوال الدلائل القطعية
على ارتكاب فصائل من الحركة للمجزرة، ولكن بدلاً من رضوخ الحركة للقضاء قاموا بحشد
قوات كثيرة للمرة الثانية من أجل اقتحام منطقة العشائر وقابله أبناؤها هذه المرة بحشود
مضاعفة واعتقد الجميع أن المواجهة أصبحت قدراً حتمياً وفي اللحظة الأخيرة ونتيجة بروز
سلاح نوعي وحشود كبيرة جداً من قبل معظم العشائر ووصول قوات من فصائل معارضة أخرى لمؤازرتها
نجحت الوساطة بنزع فتيل الأزمة لتسلك بعدها الطريق باتجاه الاحتمال الثالث الأكثر تفاؤلاً
الذي يقضي بمحاسبة قيادات الحركة للفصائل المتورطة وتقديمهم للقصاص.
ثماني
أدلة معلنة وأربع أخرى غير معلنة لم تكن على ما يبدو كافية من أجل إجبار الحركة للرضوخ
والاعتراف بارتكاب المجزرة والقصاص من فصائلها المتورطة وتقديمهم للعدالة ولم يكن ذلك
ليتحقق قبل بروز ذلك الحشد المسلح من أبناء العشائر والذي تقدمه أطفال ناجون من المجزرة
فقدوا أسرهم يتقدمهم طراد راكان الأحمد ببندقيته التي بدت ثقيلة على ذراعيه ووجهه البريء
وصوته الطفولي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث