الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / حكومة تكنوقراط مصغرة لكل منطقة.. المناطق المحرر بحاجة إلى مجالس لتديرها لا لتحكمها

حكومة تكنوقراط مصغرة لكل منطقة.. المناطق المحرر بحاجة إلى مجالس لتديرها لا لتحكمها

صبر درويش

لا يكف السوريون عن البحث في رهانات تتعلق بمستقبلهم المقبل، وخصوصاً بعد
أن تحول الصراع في سوريا من ثورة إلى حرب أهلية تزداد قسوتها وعنفها يوماً بعد
يوم.

كان الرهان في أن نشبه من سبقونا في إسقاط طغاتهم، فينتفض الشعب بضعة أشهر
وتنحاز مؤسسة الجيش إلى الشعب –كما حدث في تونس ومصر- وتبدأ مرحلة جديدة من
التغيير، ولكن الرهان فشل، وانحاز الجيش إلى زعيمه، ودخلت البلاد في أتون حرب من
المعروف جيداً كيف ومتى بدأت، بيد أنه من الصعب التنبؤ بخواتيمها.

وتوجه الشعب المنتفض فيما بعد إلى دول العالم المتمدن، وراهن على فلسفتهم
في حق الشعوب بتقرير مصيرها، وخذل الشعب المذبوح مرة أخرى؛ وتوجه إلى الغيب، وخذله
الغيب مرة ثالثة؛ فكان لابد والحال كذلك من إعادة الاعتبار للرهانات من جديد.

على هذه القاعدة بالتحديد، بدأت قوى الثورة السورية بإعادة الاعتبار لقواها
الذاتية وتحديداً تلك التي ماتزال داخل البلاد، وبدأت بالبحث عن إمكانيات جديدة
للخروج من هذا النفق، والانتقال بالبلاد إلى برّ الأمان. وقد بدا أن السيطرة على
المدن المحررة وحسن إدارة شؤنها ومنع تسرب الفوضى إليها، واحداً من أهم الرهانات
المطروحة على قوى الثورة.

لا أحد ينكر اليوم التخبط الذي
أصاب الثوار في إدارة مدنهم المحررة، فقد وجد المدنيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام
مهام لم تكن تخطر على بال حتى الحالمين منهم، فجأة لم يعد من سلطة للدولة ومؤسساتها
على عشرات المدن السورية، وفجأة كان على السوريين أن يبتكروا سلطاتهم البديلة.
وكانت المصاعب التي واجهت قوى الثورة لا تعد ولا تحصى، ليس أولها رحيل قسم كبير من
الكوادر المتعلمة، والقصف اليومي والدائم على هذه المدن والبلدات.. وليس آخرها
رغبة بعض التشكيلات العسكرية المعارضة في بسط هيمنتها على المدنيين، والاستحواذ
على سلطة لم تولد بعد، كما حدث ويحدث في الرقة اليوم وفي شمال سوريا عموماً. يقول
السيد ماجد أبو علي وهو أحد المسؤولين الطبيين في دوما: ” أن المناطق المحرر بحاجة
إلى مجالس لتديرها لا لتحكمها وتتخذ عنها قرارات سياسية.. إن إدارة المناطق المحررة
تحتاج كفاءات وشهادات وخبرات وكل في اختصاصه، بغض النظر عن المشارب السياسية لهذه الكفاءات،
وبالتالي يتطلب ما يشبه حكومة تكنوقراط مصغرة لكل منطقة وليس رئاسة وحكم ومشيخة وإمارة..
“.

في دوما وهي واحدة من أكبر مدن الغوطة الشرقية، تم الإعلان عن تشكيل مجلس
محلي منتخب، سعى القائمون عليه إلى التركيز على المختصين والمتعلمين في إدارة شؤون
المدينة، ولم يكن هذا الإعلان عن تشكيل المجلس المحلي هو الحدث، فقد عمدت عشرات
المدن في محيط دمشق إلى مثل هذا التشكيل، الحدث تمثل في البيان الذي صدر عن جيش
الاسلام بزعامة زهران علوش، والذي أدان فيه تشكيل هذا المجلس والذي وضع حداً لمجلس
الشورى التابع لزهران ذاته، حيث اعتبر أن الإعلان عن تشكيل هذا المجلس فيه شق
للصفوف وزرع للفتنة.. إلخ. وفي الوقت ذاته اعتبر بعض القادة العسكريين في بيان
علوش تدخلاً غير مقبول في شؤون المدنيين، يقول السيد سليم حجازي قائد لواء الشام:
” إن فرض السلطة على المدنيين بغض النظر إن كان من الشيخ زهران او غيره هو أمر
مخالف لثورتنا، فعندما حملنا السلاح حملناه لأجل المدنيين وكرامتهم لا لأجل أن نحكمهم
به”.

وفي المقابل اعتبرت العشرات من فعاليات الثورة المدنية في هذا البيان
تدخلاً سافراً من قبل العسكريين في شؤون المدنيين وحقهم في اختيار شكل إدارة
مدنهم. وأصدروا بياناً يدينون فيه أي تدخل من قبل العسكريين في خيارات المدنيين.

وأياً يكن الأمر، فإن المهم هنا بروز صراع بين سلطات متعددة تسعى البعض
منها إلى بلورة تجربة تستلهم ولو الحد الأدنى الذي توفره ظروف الحرب من الوسائل
الديموقراطية في إدارة مدنهم، وسلطات تسعى إلى أن تكون سلطة استبدادية بديلة عن
تلك التي خرج السوريون لإسقاطها. يقول السيد بسام وهو أحد الناشطين المدنيين في
دوما: ” بالنسبة لإمكانية المواجهة مع بعض القادة العسكريين، أعتقد أن الإجابة
عن هذا السؤال مرتبطة بالمخزون الثوري الذي اختزنه الناس خلال سنتين ونيف من عمر الثورة،
عاشها الناس في مدرسة الثورة، فترسخت عندهم مبادئ وقيم جديدة.. إن نظرة من بعيد على
تلك الشريحة التي عاشت الثورة، نجد أن تغيراً كبيراً قد طرأ على طريقة تعاطيهم مع الواقع
وهذا التغيير في الأساس يقوم على رفض سياسة الأمر الواقع التي كان نظام الأسد ينتهجها،
وشعور أولئك الناس أنهم حصلوا على مكتسبات من الثورة وكان ثمن هذه المكتسبات باهظ الثمن
قد تكون خسارة منزل أو ابن أو أخ أو عائلة أو عضو من أعضاء الجسم.. ولذلك فلن يتراجع
أولئك الناس عن مكتسباتهم تلك قيد أنملة”.

في الحقيقة يكمن الرهان هنا بالتحديد، على أولئك الذين دفعوا الضريبة
الباهظة عبر السنتين الماضيتين، والذين أصروا على المضي في طريق إسقاط حكم الاستبداد،
وهم لم يفعلوا ذلك كي يستبدلوا سلطة استبدادية بأخرى شبيهة بها، بل فعلوا ذلك كي
يفتحوا أفقاً تتمكن من خلاله الأجيال المقبلة من العيش بكرامة، وهي رسالة لم تصل
لنظام الأسد سابقاً، وهي لا تصل اليوم إلى أولئك الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على
الثورة وعلى الشعب الثائر.

بيد أن هذا الصراع الدائر
اليوم داخل صفوف الثورة –وهو صراع صحي طالما بقي تحت السيطرة- يحتاج إلى الكثير من
الدعم، دعم النويات الإيجابية للثورة الممثلة بحراك مدني بدأ يشق طريقه منذ قليل،
وهو عبء تتحمل قوى المعارضة قسطاً كبيراً من مسؤوليته، يقول السيد بسام: ” إن
منظمات المجتمع المدني وناشطي الثورة المدنيين وأخص بالذات معارضة الخارج التي تمطرنا
بكلام منمق كل يوم عن وقوفها مع المحاصرين بالداخل وإلى جانب ثورة الحرية والكرامة،
فإننا نوجه رسالة لها بأنه يقع على عاتقها حالياً مسؤولية تاريخية في المحافظة على
مكتسبات الثورة المدنية وما حققته إلى الآن على صعيد بناء الإنسان الحر وممارسته لحقوقه
المدنية، في آن تعمل بكل جهدها وإمكانياتها الحالية لترجيح كفة الاتجاه المدني الذي
ينحاز إلى مصلحة الإنسان البسيط الفقير وإلى عدم مصادرة صوته سواء من رجال الدين أو
من القادة العسكريين أو من المستفيدين العلمانيين أو دعاة المدنية المزيفين”.

ويختم حديثه بالقول:
الشعب وحده هو صاحب القرار وهو القادر على تحديد مستقبله وطريقه عيشه وبدون وصاية من
أحد.

في الحقيقة لم يعد
السوريون يقاتلون على جبهة واحدة، بل فرض عليهم اليوم، القتال على عدة جبهات، وقد
تكون الجبهة الداخلية للثورة هي الأصعب والأكثر خطورة.

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *