عمّار الأحمد
طرفا الحرب في سورية، بين رافض لزوال الأسد، وهو النظام، وبين مصرٍّ على
زواله، وهي الكتائب المقاتلة. النظام يحرز انتصارات متتالية، والمعارضة تخسر، وقد
تخسر المزيد، ولكن الحقيقة أن المعارضة ستستعيد نفوذها مجدداً؛ خساراتها الأخيرة
مرتبطة بتعدد جبهات القتال ضد الجيش الحر، حيث النظام، وحلفه، وداعش، وقوات
الاتحاد الديمقراطي، ما عدا مسألتين يعاني منهما: افتقاد الجيش الحر لقيادة موحدة
ودعم مالي وعسكري محدود، وهو ما أتاح للنظام استعادة بعض المناطق، سيما وأن حزب
الله وإيران أصبحا يقودان المعارك في كامل
سورية.
أثناء القتال على الجبهات، تشتدّ اللقاءات الامبريالية والإقليمية مع المعارضة
والنظام، بل وتنسج علاقات جديدة بين حلفاء النظام، أي روسيا ومصر، وتنفتح روسيا
اتجاه السعودية، وكل ذلك بموافقة أمريكية، فالأمريكيون يريدون التوسع نحو الشرق
الأقصى، ومنشغلون بالأزمة الداخلية، وبفهم مسبق ودقيق، أن روسيا لن تكون بديلاً
أبداً، فالخليج وإسرائيل تحت السيطرة الأمريكية.
ما يتم التأمر عليه جدياً، هي الثورة والشعب السوري، وبتنسيق تام بين روسيا
وأمريكا، فالأخيرة كررت أن سورية لروسيا، وأكثر ما يمكن أخذه من روسية، عقد جنيف،
وتشكيل حكومة مشتركة، مع تأجيل البت بموضوع الأسد، وتقاسم الوزارات؛ هذا ما ستعطيه
روسيا، وأغلب الظن أن أمريكا موافقة على ذلك، فلا يضيرها كثيراً استمرار المعارك
على الأرض، وتدمير المزيد من سورية، ويا حبذا باستنقاع أكبر في النسيج المجتمعي،
وفي حروب مذهبية، تطيح بحزب الله والقاعدة معاً.
جنيف كما توضح اللقاءات سيعقد، وسيلتزم الجيش الحر بإيقاف عملياته، والبدء
بتنسيق خطوط الجبهات مع جيش النظام ومخابراته، وربما سيستمر ذلك طيلة المرحلة
الانتقالية، فالأخيرة لا أحد يتحدث عن مصير الجيش والأمن فيها مثلاً، وهي لن تنحل
أو توقف أعمالها مباشرة، وربما ستطرح استمرار أعمالها على طاولة جنيف فترة زمنية،
تتقوى الثقة فيها بين طرفي الصراع، وبالتالي ستكون هناك خطوات من جانب النظام ومن
جانب المعارضة، ولن تبدأ مرحلة انتقالية حقيقية، وهذا يعني أن الأسد باق،
والائتلاف الوطني وبقية المعارضة والنظام سيوقعان على اتفاق جنيف، وفقط ربما تسحب
منه بعض الصلاحيات.
هل ستوافق المعارضة؟ أظن أن تياراً واسعاً منها سيذهب إلى جنيف، وسيدخل
مدرسة التفاوض الروسية الأمريكية، وفق مبدأ: شارك وخذ إن تمكنت، فهذا ما بحوزتنا
لك، وإياك أن تفكر بالخروج عن الطاعة، فحينها ستتشيّطن. روسيا وأمريكا، تريدان
تصفية نهائية للثورة. سيرفض ذلك جزء من المعارضة، وربما الأخوان المسلمين
والمجموعات الجهادية، وسينظر الشعب إلى الجميع نظرة توعّد وترقّب، حيث سيصفي حسابه
لاحقاً مع كل من ساهم في تدميره وقتله وتجويعه وحصاره وسجنه وفرض سلطته عليه، من
النظام والمعارضة.
الشعب خارج معادلة القبول بجنيف أو رفضها؛ فهو ومع تصاعد القتال، أوقف أغلب
نشاطه، أو أُوقفت بقوة القتال، وبقي قليله المدني يعمل إما في الإغاثة أو في الإعلام
والقيام ببعض المظاهرات الهامشية.
المعارضة –الائتلاف، والهيئة والأخوان- ما تزالان منقسمتان على حالهما،
وهذا ما يغري روسيا بممارسة ضغط إضافي عليهما، فالائتلاف الوطني شكل حكومته
الثانية، وذلك بدعم سعودي وخليجي، متضرراً من العلاقات المستجدة بين أمريكا وإيران،
وأحمد طعمة، بدأ يستجدي الدعم، ولكن هذه الحكومة هي ورقة جديدة بيد الائتلاف للضغط
على روسيا والنظام وتقديم تنازلات لاحقة. وقامت القوى الكردية، غير المنضوية بالائتلاف
بتشكيل إدارة انتقالية، وبدعم كامل من هيئة التنسيق وروسيا والنظام من خلفها،
للضغط على بقية أطراف المعارضة للذهاب إلى جنيف؛ ربما الاتحاد الديمقراطي لديه خطة
مستقلة خاصة بالأكراد، تتمحور حول إمكانية عقد جنيف، وحدوث مرحلة انتقالية لاحقاً،
وبالتالي لا بد من تمثيل سياسي للكورد، يتم من خلاله الضغط على المرحلة الانتقالية
لتامين أكبر الحقوق للكورد، وربما لدى “صالح مسلم” زعيم الاتحاد
المذكور، مطامح لحكم ذاتي كردي لاحقاً.
المهم هنا أن هذه الخطوات، أثارت عاصفة من الرفض، حيث رفضتها تركيا ومسعود
برزاني، ورفضها كذلك الائتلاف الوطني وسميت من قبل قيادي سابق فيه بخنجر في
الخاصرة أو الظهر؛ إذا تتعقد اللوحة: المعارضة، ولنقل كتلة كبيرة منها، ستذهب إلى
جنيف، وستوقع بيدها على دور هامشي للأسد، ولكن الواقع سيقول بدور له لن يكون
هامشياً، وسيخلق لسورية مشكلات إضافية، ستجد لها حلاً ما.
السعودية لم توافق بعد على جنيف، وإيران تتلكأ لأسباب أخرى، وهي من يقاتل
على الأرض، وستصرّ على الملف النووي خاصتها، وسيكون الاتفاق بصدده، بوابة جنيف
السوري ربما. ولكن في هذه النقطة هناك ما هو غامض، وهناك احتمالات مفتوحة على
خيارات شتى، ستنجلي لاحقاً، فهل سيكون النووي الإيراني ورفع العقوبات، على حساب
المصالح الإيرانية في سورية؟ أم ماذا؟
الأخوان المسلمون، لن يكون دورهم
كبيراً، فرغم رفض السعودية لجنيف، ورفض الإخوان له، فهما لن تتحالفا بسببه؛ فـتنظيم”الأخوان”
يشكل خطراً كبيراً على السعودية، والأخيرة اختلفت هي ومصر مع أمريكا بخصوص
الأخوان، ولكن أخوان سورية يتميزون برفض الموقف الأمريكي وتسليمه سورية لروسيا. والأمريكيون
بما يخص سورية، لن يقبلوا بأي دور مميز لأخوان سورية، كإخوان مصر أو نهضة تونس في
الحكم في سورية، فالروس لن يقبلوا بذلك.
الجماعات الجهادية ستُحاصر لاحقاً، ومن الآن فتحت معركتها ضد الجيش الحر،
والأخير يفتح معركته ضدها، وربما ستقوم بعمليات إرهابية كبيرة، تحصد من خلالها ألاف
الأرواح، وهي ستكون إحدى المشكلات الكبرى، مع بدء المرحلة الانتقالية.
الغائب الأكبر عن جنيف هو الشعب والثورة، فلا أحد يتفاوض من زاوية الشعب،
وكله يتفاوض من أجل تشكيل السلطة القادمة. السلطة التي لن تحلّ مشكلات يعيشها
الشعب، وسيجد نفسه من جديد، أمام ضرورة استمرار الثورة، ولكن ربما ستكون شروط
الثورة مختلفة، فكثرة دماء الشهداء والدمار الحاصل، هو الدافع الأكبر لجنيف واحد؛
فلولا الشعب، لما كانت كل تلك اللقاءات ممكنة، ولا كان ممكناً أن تبدأ مرحلة
انتقالية قد تقود نحو سورية جديدة.
الشعب سيجدد ثورته؛ فهو المغيب عن جنيف، والمرحلة الانتقالية، وفي حال
حدوثها، ستكون مليئة بكل أنواع المشكلات، وهو ما سيدفع الشعب إلى الثورة من جديد.
تعب الشعب نعم، ولكنه ما زال يحيا
وسيثور من جديد؛ فحقوقه في نظام تمثيلي ديمقراطي، وفي عدالة اجتماعية، وفي بلد له
سيادة لن تُلبى!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث