عبد القادر عبداللي
كانت ثمة مقولة شائعة أيام المرحوم الاتحاد السوفياتي تصف الشيوعيين
عموماً: “إذا أمطرت في موسكو، فتحت الشماسي في ….” ويُكتب اسم العاصمة
التي تُقال فيها هذه المقولة مكان النقاط، فهي دمشق حيناً، وبغداد حيناً آخر،
وأنقرة أحياناً.
لم يكن مستهجناً أن نقول إذا أمطرت في موسكو فتحت الشماسي في أنقرة،
أو بغداد، أو غيرها، لأن الانتماء الأيديولوجي واحد، والجميع يتبعون تنظيماً
أممياً مركزه في موسكو، وشعاره الوحدة بين كادحي العالم، وقد أطلق اليمين التركي
آنذاك مقولة: “جذورهم في الخارج” على شيوعيي تركيا الذين كانوا حينئذ
أقوياء إلى حد ما، وخاضوا صراعاً دموياً عنيفاً ضد التطرف القومي التركي، وقدّم
هذا اليسار ثلة من أنقى شبابه الثائر في ذلك الصراع مازالوا إلى اليوم يذكرون،
وترفع صورهم، وتعبير “جذورهم في الخارج” يشير إلى مصادر الدعم الذي كان
يأتيهم من المنظومة الاشتراكية، فالجذر يجب أن يمتد نحو مصدر ماء لكي تعيش النبتة.
لم يكن مستهجناً يومئذ أيضاً أن تكون الجماعات التي توصف بالأقليات
المذهبية أو القومية تنادي بالشيوعية، وتناضل من أجلها، وتقدم القرابين على
مذبحها.
مع انفراط عقد المنظومة الشيوعية، والتحول الديمقراطي في تركيا –وإن
كان هذا التحول بطيئاً، ولا يلبي رغبات شعوب تركيا- انخفضت حدة الصراع بين اليمين
واليسار، وانكمش التيار الشيوعي في حين أن التيارات المحافظة (قومية/ دينية) حافظت
على قوتها. القوة الأخرى التي حافظت على قوتها أيضاً هي قوة اليسار الديمقراطي، وإن
تعرض لبعض الانقسامات.
ذابت أكثر التنظيمات اليسارية الشيوعية ضمن بوتقة الحراك الكردي،
لأنها بالأصل كانت تعتمد في تنظيمها على المجموعات المختلفة قومياً كالأكراد،
والمختلفة مذهبياً كالعلويين والشيعة، وإن بقيت بعض الكيانات الصغيرة التي مازالت
تمارس العمل السياسي المحصور بإصدار جريدة، وتنظيم وقفة احتجاجية تجمع بضعة مئات
أو بضعة آلاف عندما تكون احتجاجات مطلبية أو تلتقي مع شرائح أخرى غير تلك
التنظيمات.
في أواسط عام 2011، وبعد انطلاق الثورة السورية، دبت الحياة في هذه
التنظيمات فجأة، وكأنها أدخلت غرفة الإنعاش، فعلا صوتُها، وبدأت تنظّم الندوات،
وتحشد الناس، وتقيم الوقفات الاحتجاجية المتكررة تحت عناوين شتى.
من ناحية أخرى، لم يكن في تركيا عادة دفع المكافآت لمن يشارك في ندوات
ثقافية أو سياسية حتى انطلاق الثورة السورية، إذا أصبح يُدفع للمحاضرين والمشاركين
في بعض الندوات التي تمجّد الأسد، وتشتم المعارضة السورية وتصفها بالإرهاب. كثير
من هذه التنظيمات كانت تجد صعوبة بإصدار مطبوعة صغيرة، وعادة ما توزع مطبوعتها على
أعضائها مقابل بدل يُطبع بطابع التبرع أكثر من كونه ثمناً لهذه المطبوعة من أجل
استمرار صدورها. من أين أتاها المال فجأة لتنظيم نشاطات من هذا النوع، وتوزيع بعض
المطبوعات التي تشتم المعارضة السورية مجاناً؟
الغريب في الأمر أن الصحافة التركية التي تقف على نقيض تلك المجموعات
لم تأتِ على ذكر التمويل، وانتعاش هذه التنظيمات المفاجئ على الرغم من هوس كثير من
الصحفيين الأتراك بالتقاط بعض الجوانب المثيرة. ولكن المتابع لمطبوعات هذه
التنظيمات ومقولاتها يجد أن كل ما يُكتب في قم، سرعان ما يجد طريقه إليها،
وبالحرف.
قد يقول قائل، إن هذا طبيعي نتيجة موقف هذه التنظيمات المؤيد للنظام
السوري، والمعارض لسياسية العدالة والتنمية في تركيا، ولكن هذا الأمر يمكن أن
ينطبق على سياسة حزب الشعب الجمهوري وحزب السعادة (وريث الأربكانية)، وحزب الحركة
القومية وغيرها من أحزاب اليمين واليمين الوسط واليسار الوسط، وليس على تلك
المجموعات الشيوعية تحديداً، فهذه تذهب أبعد من هذا، وتعتبر أن ما يجري في سوريا
“مؤامرة كونية تستهدف الشعب السوري.”، “بقاء النظام السوري صامد
أكثر من سنتين دليل على وقوف الشعب معه ضد المتآمرين!”، “ممنوع إسقاط
النظام السوري!” وحتى تنسخ مقولة المرجع الشيعي التركي صلاح الدين أوز
غوندوز: “في سوريا ديمقراطية تفوق أرقى ديمقراطيات العالم”، وتلصقها على
حائطها.
لقد تمادت تلك المجموعات إلى درجة أنها تلاحق الطلاب السوريين في
الجامعات التركية وتعتدي عليهم بالضرب، وطبعاً الاعتداء بالضرب من النشاطات التي
تحتاج إلى تمويل أيضاً، لأنه من الممكن أن يوقف الضارب، ولابد من توكيل محامٍ،
وهذا يتطلب نفقات عندما تمتد إلى عشرات الحالات فتشكّل مبالغ ليست قليلة.. من أين
أتاها التمويل فجأة؟
إن غالبية أعضاء تلك التنظيمات تنتمي إلى طائفة معينة بالولادة،
ولكنها في الوقت نفسه تباهي بإلحادها، وتعتبر أن أي مظهر ديني مهما كان هذا المظهر
طفيفاً هو رجعية يجب محاربتها ومنعها، وتسخر من رجال السياسة المنتمين إلى
التيارات الدينية باسم “Yobaz/ رجل دين متزمت”، وهي
تعتبر الحكومة التركية خرجت عن العلمانية، لأن العلمانية وفق قاموسها هي الإلحاد،
وأن أي إيمان هو كفر بالعلمانية، ولكنها في الوقت نفسه تلتزم بمقولات ملالي طهران،
والملا صلاح الدين أوز غوندوز.
كان البعض يستهجن مقولة “إذا أمطرت في موسكو فتح شيوعيو تركيا
شماسيهم في أنقرة”، وأنا كنت في تلك الأيام لا أستهجنها، ولكنني في الوقت
نفسه لا أقبلها، فهم ينتمون إلى فكر واحد، ولكن ما بالهم اليوم يفتحون شماسيهم إذا
أمطرت في قم؟ هل هم رجال دين كذابون يدعون الشيوعية والإلحاد، أم أنهم مصابون بمرض
عضال يصيب فئة من الناس، ومن أعراض هذا المرض أن صاحبه لا يستطيع العيش دون أن
يكون له جذر في الخارج؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث