الجزء الثاني تتمة المنشور في
العدد الثامن 2 من 2
ماجد كيالي
وهنا لابد من طرح
العديد من التساؤلات فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني، أهمها هو: الآن ما العمل؟
قبل الإجابة على
ذلك ينبغي أن تجيب الكيانات والقيادات على السؤال الآتي: ما هي قضية فلسطين حقاً؟
فإذا كان الجواب أنها قضية عربية ـ إسرائيلية فهذا يستلزم ترتيب «البيت»، وصوغ
رؤية سياسية، وانتهاج أشكال عمل تتناسب مع ذلك. وفي حال كان الجواب أنها قضية
وطنية للفلسطينيين وعربية، في الوقت ذاته، فهذا أيضاً يفرض المستلزمات نفسها. مع
العلم أنه ووفق التجربة، لم يعد ثمة ترف لطرح هكذا نقاشات، لأنها لم تعد مقنعة،
ولا تمثلات ملموسة لها على الأرض، في وضع تجد المجتمعات العربية نفسها مستغرقة في
همومها الوطنية، وفي وضع ثبت فيه أنه ليس ثمة في الدول القائمة إجماعات وطنية،
بمقدار ما فيها من توتّرات وتشقّقات ومنازعات.
أما إذا كانت
الإجابة بأنها قضية وطنية تخصّ الفلسطينيين (على رغم وجود أبعاد عربية معيّنة لها)
فهذا يتطلّب المزيد من التحديد، فهل هي قضية تخصّ وجود إسرائيل، التي قامت على
حساب الفلسطينيين واللاجئين منهم خصوصاً؟ أم هي قضية تخصّ الاحتلال الإسرائيلي
الذي بدأ في عام 1967 ومسّ حياة الفلسطينيين في الضفة
والقطاع؟مهما كانت الإجابة على هذين السؤالين فإن ذلك يستوجب على الفلسطينيين
إبداء أكبر قدر من ترتيب أوضاعهم، وصوغ أفضل العلاقات بين كياناتهم، وانتهاج أجدى
الطرق لمواجهة عدوّهم، لكن ذلك يتطلّب من قياداتهم وكياناتهم المقرّرة، أيضاً،
الوضوح المتمثّل بتخليق الرؤية السياسية التي يمكن أن تلهم شعبهم وأن تعزّز
الإجماعات عنده.
هكذا، لا يمكن
خوض أي خيار سياسي بتخلّي حركة وطنية ما عن قضية شعبها، باعتبارها قضية تحرّر
وطني، وبوهم التحوّل إلى سلطة قبل إنجاز دحر الاحتلال، ولا يمكن تحشيد الشعب كله
أو بعضه حول سلطة تثار حولها شبهات احتكار السياسة وتقييد الحريات مع الفساد
والمحسوبية وخبوّ الروح الوطنية والتنسيق الأمني مع إسرائيل، ومع الحؤول دون تبلور
أي شكل من أشكال المقاومة (المسلحة أو السلمية).أيضاً لا يمكن لجهة ما ادّعاء
قيادة شعب، وهي تحصر خياراتها في خيار وحيد، فكيف إذا كانت
هذه الجهة لا
تهيئ ذاتها وشعبها لخيارات بديلة، كما لا يمكن ذلك مع بذل التنازلات المجانية، ومن
دون مقابل مناسب، وضمن ذلك الذهاب نحو حلّ على شاكلة اتفاق «أوسلو» (1993) من دون معرفة نتيجته
ومن دون البت بمسائل الاستيطان، وحسم المدى الزمني، وتعريف إسرائيل بصفتها دولة
محتلة.
وبالتأكيد، ليس من المشروع ولا من المجدي
لقيادة شعب أن تتخلّى مجاناً عن رواية شعبها، ولو بادّعاء الانسجام مع القرارات
الدولية، لأن هذه القرارات، في الحال الفلسطينية، لا تقرّ بواقع الاحتلال
والاستيطان، أصلاً، ولأن الاعتراف بإسرائيل في الأمم المتحدة جرى بموجب القرار 272(1949) المتضمّن قيام دولة عربية على 43في المئة من أرض فلسطين، وضمان حق العودة للاجئين الذين شردوا من أراضيهم
(والتعويض عليهم أيضاً)، ووضع منطقة القدس تحت وصاية دولية، مع العلم أن ثمة
يهوداً إسرائيليين يشكّكون بالرواية الرسمية لدولتهم، ويرفضون تعريفها كدولة
يهودية أو دولة «حريديم» أو دولة مستوطنين لتناقض ذلك مع الديموقراطية، ولأن هذا
يطبعها بطابع ديني وعنصري.الأهم من كل ذلك أن القيادات والكيانات الفلسطينية كلها
معنية بإدراك أنها ليست وحدها من يحدّد طابع الصراع مع إسرائيل، ومداه، لأن الطرف
الآخر المعني والمسيطر هو الذي يقرّر.
هذا لا يعني أن
اعتدال الخيارات والخطابات الفلسطينية وواقعيتها ليست ذات معنى، وإنما هذا يعني أن
اعتدال الفلسطينيين و”حسن” سلوكهم وتحولهم نحو التهدئة لا يكفي، وهذا ما
أثبتته تجربة أوسلو المستمرة منذ عقدين، وتجربة قيادة أبو مازن خلال سبعة أعوام،
وتجربة «حماس» ذاتها في غزة خلال الأعوام الماضية.
وعلى الأرجح فإن
هذا الواقع هو الذي يفسّر أن سؤال البديل بات من أكثر الأسئلة إلحاحاً على
الفلسطينيين، لاسيما من جيل الشباب الذين لم يعرفوا من التجربة الوطنية الفلسطينية
المعاصرة سوى تجربة السلطة، بما لها وما عليها، وبكل ما اعتراها من شبهات الفساد
السياسي والمسلكي.
وينبغي أن نتذكّر هنا بأن تجربة المقاومة
المسلحة، التي تشكّلت في الخارج، والتي تتكئ الفصائل السائدة عليها اليوم في
الداخل، انتهت منذ ثلاثة عقود. أيضاً، فإن ما يضفي شرعية على سؤال البديل حقيقة
انهيار المشروع الفلسطيني، كما جرى التعبير عنه في حلّ الدولة في الضفة والقطاع،
والارتهان إلى خيار واحد، هو المفاوضات، بدون استثمار أي عامل من عوامل الضغط لفرض
هذا الخيار.
وفوق كل ما تقدم
فإن ما يؤكّد على هذا السؤال أفول الزمن الفصائلي، بسبب حال الترهّل في البني
والكيانات السياسية الفلسطينية السائدة (المنظمة والسلطة والفصائل) وتآكل مكانتها
التمثيلية في المجتمع، وتراجع دورها في مواجهة عدوها، وعدم قدرتها على تجديد
ذاتها، على صعيد المفاهيم والبني والعلاقات وأشكال العمل. هذا ينطبق، أيضاً، على
ما يسمى “اليسار” الفلسطيني (إذا جاز التعبير)، إذ أن الفصائل المكونة
له باتت متماهية، بشكل أو بأخر، مع النظام السياسي السائد، بمفاهيمه وآليات عمله،
وحتى أن هذه الفصائل باتت غير قادرة على توحيد ذاتها، وتجديد مفاهيمها، وإضفاء
الحيوية على وجودها، فما بالك بتوليد بدائل في الإطار الوطني العام؟
وإذا كان النظام
السياسي الفلسطيني، الذي بات جد متقادماً اليوم، وليد ظروف عربية معيّنة، لاسيّما
أن النظام الرسمي بات منذ زمن بمثابة حارس وحاضن للنظام الفلسطيني
السائد، فإن هذا
يعني بداهة أن تغيّر هذه الظروف، بنتيجة الثورات العربية، سيدفع بدوره نحو تغيير
سياسي فلسطيني، وأرجّح أن هذا التغيير لن يتوقّف عند تغيير الطبقة السياسية، وإنما
هو سيشمل البني والعلاقات والمفاهيم والخيارات وأشكال العمل، فالنظام العربي
الجديد لابد سيتطلب حركة وطنية جديدة، هذا أولاً.
ثانياً، إن أي
بديل سيحتاج بداهة، بعد كل هذه التجربة المهيضة، إلى مشروع وطني ملهم، يجاوب على
أسئلة الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، ويوقظ الحلم مجدّداً عندهم ويحفّز
هممهم، بعد كل هذا الضياع والإحباط، على أساس تضمين قيم الحقيقة والعدالة
والكرامة.
وبديهي أن هكذا
مشروع يتطلب الإجابة على سؤال اللاجئين بالعودة، وعلى سؤال الفلسطينيين في الضفة وغزة
بالتحرر من الاحتلال، وعلى سؤال فلسطينيي 48 في الكفاح ضد العنصرية وحقهم في
المساواة الفردية والجماعية، بما يطابق بين قضية فلسطين وأرضها وشعبها، وبما يعيد
لحركتها الوطنية طابعها كحركة تحرر وطني بعد أن طغى عليها طابعها كسلطة تتعايش مع
الاحتلال.
ثالثاً، لاشك أن
ثورات الربيع العربي، على علّاتها ومشاكلها ونواقصها، هي بمثابة جرس إنذار لمجمل
الكيانات السياسية الفلسطينية، ذلك أن التغيير الحاصل في البيئة السياسية العربية
لابد سيجرف معه، بطريقة أو بأخرى، تلك الحالة الفلسطينية المترهلة والمحافظة
والمتقادمة. وبالمحصلة فإن هذه الكيانات تبدو في مواجهة تحد جديد فإما اعتبار
نفسها جزءا من العالم العربي القديم، وإما اعتبار ذاتها جزءا من العالم العربي
الجديد الذي يتشكل أمام ناظرينا، مع كل صعوباته ومشكلاته.
وربما أن ذلك
يفيد بإدراك حقيقة مفادها أن النظام السياسي الفلسطيني، بطبقته السياسية
المتقادمة، بات كظاهرة سياسية تاريخية إلى أفول، فما يحدث في عديد من النظم في
البلدان العربية، يحصل أيضاً عند الفلسطينيين بشكل أو بآخر. ولا بد أن
“الربيع العربي” سيؤثر على الفلسطينيين، لاسيما انه يقدم لكياناتهم
السياسية فرصة نادرة لاستعادة طابعها كحركة تحرر وطني، وبناء ذاتها على قواعد
نضالية ومؤسساتية وديمقراطية وتمثيلية، بما في ذلك تمكينها من صوغ مشروع وطني
جديد، يعيد الاعتبار للتطابق المطلوب بين قضية فلسطين وشعب فلسطين وأرض فلسطين.
ومما لاشك فيه أن
ثورات الحرية والكرامة والعدالة تفترض من الفلسطينيين التحول من النضال على مجرد
قطعة من الأرض إلى النضال من أجل مواطنة حرة وديمقراطية في فلسطين كلها، باعتبارها
المشروع النقيض لإسرائيل الاستعمارية والعنصرية والدينية. الفلسطينيون جزء من
الربيع العربي ولا يمكنهم إلا أن يكونوا كذلك، بطريقة أو بأخرى.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث