الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / السلطة للشعب.. الجبهات للكتائب

السلطة للشعب.. الجبهات للكتائب

عمّار الأحمد

من لا يرى قوة الثورة في كامل سورية، لم يعرف معنى الثورة؛ النظام
باستخدامه للكيماوي أعلن إفلاسه وإفلاس حلفه الداعم له، هذه الحقيقة تضع كافة
السوريين أمام واقع جديد، يتجاوز موضوع التوازن الكاذب حالياً بين النظام والشعب،
ويدفعنا للتفكير بمرحلة ما بعد إسقاط النظام، أو المرحلة اللاحقة للحظة البدء بنزع
أسلحته الكيماوي كما اتفق عليه.

واقع الثورة يقول أن الشعب تمت إزاحته جانباً بشكل أو بآخر بدءاً من منتصف
2012، وأن مختلف أشكال الكتائب تحاول فرض سلطتها عليه، وساعد في ذلك همجية النظام
اللامحدودة، وتبعية كثير من الكتائب المسلحة للخارج، وبما لا يفيد الثورة، وتهديدها
بالسلاح من أجل فرض سلطات عسكرية ودينية وحزبية (حالة الأكراد) على الناس بأشكال
متعددة. هذا الواقع بدأ يتخلخل من خلال التمرد ضد تلك السلطات وفي كامل سورية،
وهناك ما تمت الإضاءة عليه كما الحال بالرقة، وسراقب، وجزئياً في حلب، وهناك ما لم
تتم الإضاءة عليه وهو في كامل المناطق المحررة، حيث يتذمر الناس من تلك السلطات،
ويعلنون رفضهم بأشكال متعددة لها.

النظام سيرحل، والشعب لن يصمت طويلاً، فقد صمت لأن الهمجية أكبر من أن تحتمل،
أما ومع بداية المرحلة الجديدة، فسوف يطرد السكان الكتائب خارجاً وستسلم سلاحها
للدولة اللاحقة، أو تنضوي ضمن هيئات شعبية يشكلها السكان المحليون، ويعهدون لها
بضبط الأمن في مناطقهم، وبالتالي سيشكل الناس سلطتهم بأيديهم؛ فهم أصحاب الثورة
الحقيقيين، وهم من أطلق الثورة في كامل سورية، وهم من تحملوا كل الدمار والقتل
والتعذيب ومنذ اللحظات الأولى؛ طبعاً الكتائب ولا سيما المحلية، جزء من السكان
وعليهم الانخراط فيما يريده السكان منهم، لا أن يتسلطوا عليهم كما تمّ، وهذا ما سيُحسم
نهائياً بعد مرحلة إسقاط النظام أو بدء المرحلة الانتقالية، وهو ما يتطلب منهم ولا
سيما في هذه المرحلة الابتعاد كلية عن السكان، والعمل على تشكيل جبهات قتالية ضد
النظام والكف عن التفتت الكتائبي المقيت أو حلّ أنفسهم بكل بساطة إن لم يذهبوا نحو
الجبهات؛ فهمتهم كانت منذ اللحظة الأولى، حماية السكان لا التسلط عليهم، ولكن مع
تطور الوضع العسكري صارت مهمتهم مقاتلة جيش النظام، لا أن يفرضوا سلطة تسلطية على
السكان المحليين؛ فالناس أدرى بشعاب دنياهم وقادرين على تسيير شؤونها وتأمين
مصالحها ومعرفة كيفية ضبط الأمن فيها.

وبالتالي، وفي الوقت الذي تتطور فيه الثورة، وتكاد تحسم مسألة النظام، فإنّ
كثيراً من المطالب تتقدم، وتتطلب الحل مباشرة، وهي المتعلقة بتأمين الأموال لصالح
الزراعة والصناعة وإنهاء حالة العاطلين عن العمل والنهوض بالبنى التحتية المدمرة والتعويض
لعائلات الشهداء وتأمين السكن وإعادة الإعمار والترميم، وإعادة بناء المدارس والمستشفيات،
ورفض استمرار كل أشكال العمل العسكري والمنظمات العسكرية المحلية، عدا عن حق الناس
في إبداء رأيهم بشكل النظام السياسي القادم، والمطالبة بمختلف حقوقهم السياسية؛
هذه بعض مطالب الناس، ويقع على السوريين وفي مختلف أماكنهم أن يعملوا على صياغة
حقوقهم والمطالبة بها، والبدء بتقديم مطالبهم تلك والاعتماد على الثروات والخبرات
والشركات الوطنية؛ فالمرحلة الحالية هي مرحلة تلك الصياغات، وهي مرحلة تشكيل المجالس
المحلية المنتخبة، ووضع شرط إلغاء التكليف للمنتخب في أي وقت كان، وبأي منصب كان،
ولو كان عضو مجلس شعب، أو وزير أو رئيس للجمهورية، إن تبين استغلال منصبه لغايات
الفساد والسرقة أو لمصالح شخصية أخرى.

قد يقول قائل، ألا ننتظر إسقاط النظام وبعدها نبدأ ذلك. نقول: لا. فهذه
مسائل كان من الخطأ تأجيلها منذ اليوم الأول للثورة؛ ولكن وإذا كان هناك سبب يفسر
تأخرها، فهو الجهنمية السلطوية، ولكن وبعد زوال النظام في أغلب مناطق سورية،
وازدياد المؤشرات على رحيل السلطة، فإن تلك القضايا تصبح من أكبر الضرورات، سيما
وأن كثيراً من قوى المعارضة لا تعنيها أوضاع الناس، ولا حقوقهم، وبالتالي لا بد من
صياغة المطالب والمجاهرة بها بشكل متكرر، والبدء بتشكيل المجلس المحلية ومجالس
المدن، وربما أكثر من ذلك، إن كانت الأوضاع تسمح بذلك، وأن تقترن بأكثر الأشكال ديمقراطية
وتمثيلاً للسكان؛ فتجربة تنصيب مجالس محلية من خارج الحدود، وتجربة إرسال جهاديين
من خارج الحدود، والمال السياسي للناشطين، كانت كارثية وموضوعاً لتشويه الثورة
وللنهب وللتحكم الخارجي والاستخباراتي في الثورة. وحل كل ذلك يكون، بأن ينتخب
الناس لجانهم ومجالسهم، ويغيرونها كلما برز منها تسلط أو نزعة مضادة لمصالح
السكان، وبالتالي كل تفكير أو سياسات تعمل على تأجيل هذه القضايا هي سياسات ضد
الثورة وضد الناس، وتعمل لصالح أجندات سياسية خاصة، وتستفيد من الثورة بطريقة من
الطرق.

يتطلب ما ذكرنا تشكيل تلك المجالس، والقيام بمظاهرات مطلبية وسياسية في
المناطق المحررة، حيثما تسمح الأوضاع بذلك، من أجل تلك المطالب ومن أجل إخراج
الكتائب المقاتلة، محلية كانت أم جهادية قادمة من وراء الحدود خارج البلدات والقرى
والمدن، ودفعها لجبهات القتال بالتحديد، وفي حال تعذر ذلك لأسباب أمنية وقتالية، يتم
رفض أي شكل من أشكال التدخل بشؤون الناس اليومية، كائنة ما كانت الشؤون والأسباب.

هذه الفكرة ستسمح للسوريين بتعلم تشكيل سلطتهم الخاصة، والتدرب على السلطة
العمومية، والانتقال من العفوية والمناطقية والعائلية، نحو الكفاءة والخبرة،
والتخلص من عقلية الأنانية والعائلية والمناطقية والطائفية الفظة لصالح العمل بعقلية
المسؤولية الدولتية، أي التفكير بما يتعدى القوى والمناطق والمدن إلى سورية
بأكملها؛ هل هذا ممكن؟!

أظن الأمر ممكناً، فالسوريون ثاروا لأن حياتهم لم تعد تطاق لا معيشياً،
بشكل أساسي، ولا سياسياً كما الحال منذ أربعة عقود، وبالتالي سيرفضون أية نزعة احتكارية
وشمولية للسلطة، تخفي مشروعاً ليبرالياً ناهباً، ولو جاءت باسم الثورة.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *