الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / المتشابه والمختلف في الحالتين السورية والمصرية

المتشابه والمختلف في الحالتين السورية والمصرية

عدنان علي

لا بد لأية مقاربة منطقية تحاول فحص أوجه
التشابه والاختلاف بين الحالتين في سوريا ومصر أن تنطلق من حقيقة أنهما ولدتا من
رحم واحد، حيث مطالب الحرية والتوق للانعتاق من نظام أحادي، مستبد، ومستأثر مع
حاشيته وعشيرته بالسلطة والثروة.

بعد ذلك، اتخذت المسارات والمآلات في كلا
البلدين أوجه تطور مختلفة، لكنها ظلت تلتقي أحياناً وتختلف أحياناً أخرى، ولعل
أكثر ما تقترب هذه الأيام بعد الانقلاب العسكري الذي جرى في مصر، وبات يشد الحالة
المصرية بقوة إلى ما يشبه الحالة السورية، ولو في مراحلها الأولى.

خلافا للانطباع السائد بان مصر هي أكثر
اندماجاً من ناحية التكوين العرقي والإثني للسكان من بقية البلدان العربية، فإن الأحداث
الأخيرة سلطت الضوء على تباينات عرقية، قد تكون في خلفية الانقسام الحاد الذي
يعيشه الشعب المصري هذه الأيام، وتضم عرقيات مختلفة، مثل الأقباط ، وهم عرق فضلاً
عن أنهم دين، حيث يعتبرون الجيل الثاني من الفراعنة سكان مصر الأصليين، والعرب،
والبدو الرحل الذين وفدوا إلى مصر خلال الفتح الإسلامي، واستمر توافدهم حتى عهود
ليست بعيدة، واستقر معظمهم في الصعيد، وشرق الدلتا، وعلى أطراف المدن، وفي سيناء،
والصحراء الغربية والشرقية، والأمازيغ (البربر)، ويعيشون حالياً في منطقة واحة “سيوة”
ومدن أخرى، والزنوج، وهم النوبيون، و قبائل البجا، و قبائل البشارية، و قبائل غرب
أفريقيا، والمنحدرين من أصول أوروبية إغريقية، وتركية، وألبانية، وايطالية، وغير
ذلك..

وفضلاً عن التباينات العرقية، هناك
التقسيم التقليدي على أساس ديني ، أي ما بين مسلمين وأقباط . ولعل محاولة إيجاد
علاقة سببية بين هذه التباينات العرقية والدينية، وموقفها السياسي إزاء التطورات
في الساحة المصرية، لن تكون بلا فائدة، ويلاحظ أن الحاضنة الشعبية للإخوان
المسلمين، والرئيس محمد مرسي تتركز في الصعيد، وسيناء، حيث المنحدرين من أصول
عربية، بينما تقف الفئات الأخرى، وخاصة الأقباط، في الخندق المقابل.

أما في سوريا، فثمة خارطة مذهبية وإثنية
أكثر وضوحاً، تتلخص أساساً بالأكثرية السنية الثائرة، و” كتلة الأقليات”
المترددة أو المنحازة للنظام في الإجمال.

وإن كانت مصر قد خضعت خلال العقود الماضية لنظام شمولي، قوامه
الفساد، وهيمنة الجهاز الأمني، مما أنتج فقراً وسخطاً شعبياً، لكن ظل الجيش مؤسسة
“وطنية” غير مدبوغة بسمة طائفية كما هو حال سوريا، لكن من جهة أخرى، سعى
الجيش، خاصة في السنوات الأخيرة، إلى الهيمنة على الاقتصاد المصري، وهو يسيطر
حالياً على ما يصل بحسب بعض التقديرات إلى نحو
40 في المائة من إجمالي الناتج
القومي المصري.

ويأتي غالبية
المحافظين في مصر، من ضباط الجيش المتقاعدين، كما يقوم بتشغيل العديد من المؤسسات
المدنية، والمؤسسات الكبيرة في القطاع العام بالدولة، ضباط كبار في الجيش أحيلوا
إلى التقاعد.ويرأس ضباط متقاعدون أيضا أهم ثلاثة قطاعات تنموية في الدولة، وهي
الزراعة، والتوسع الحضري، والسياحة.ويحصل هؤلاء إضافة إلى رواتبهم من القوات
المسلحة، على رواتب مجزية وامتيازات أخرى كثيرة مرتبطة بوظائفهم المدنية، ويمنح
هذا الوضع الجيش قوة إضافية تمكنه من التحكم إلى حد ما بسيرورة عمل الدولة في
مختلف القطاعات، وليس على الصعيد الأمني فقط ، أي المساعدة في حل أزمات الدولة، أو
افتعال أزمات للحكم القائم.

عوداً إلى سوريا،
فقد اعتمد النظام خياراً حاسماً منذ اليوم الأول لحادثة درعا، وهو الحل الأمني
كوسيلة شبه وحيدة للتعامل مع الحادثة، ومع الاحتجاجات اللاحقة، وحافظ على هذا
الخيار حتى اللحظة الراهنة، انطلاقا من عقيدة ترسخت على مدار عقود من الحكم الأمني
الصارم، لا تقيم وزناً كبيراً لأية اعتبارات مجتمعية أو حقوقية، لذلك كانت القاعدة
التي حكمت سلوك النظام طوال مراحل الأزمة، هي أنه إذا لم تجد القوة في إخماد
الاحتجاجات، ومن ثم المعارضة المسلحة، فإن مزيداً من القوة يمكن أن يجدي.

فيما يأخذ الوضع في
مصر شكلاً مغايراً، إذ أنه كانت هناك مقاربات كثيرة للتعامل مع المعارضين، سواء في
عهد الرئيس المخلوع مبارك أم في الأطوار التالية .

وباستثناء
الفترات الأخيرة بعد الانقلاب العسكري على حكم الأخوان، ظل استخدام القوة في أدنى
درجاته بالنسبة لدولة تنتمي إلى العالم الثالث، ولم يخض نظام مبارك المعركة كصراع
حياة أو وجود، لذلك جاء تنازله عن الحكم سهلاً، وخلال فترة قصيرة نسبياً. وطبعا
اختلفت الصورة نسبياً بعد الانقلاب الذي أزهق أرواح كثير من المصريين، على نحو
استدعى المشهد السوري خلال الأشهر الأولى من الاحتجاجات، حيث يتم إطلاق النار على
المتظاهرين، الذين- وخلافاً لادعاءات كلا النظامين في دمشق والقاهرة- لم يثبت أنهم
كانوا يحملون السلاح.

أما صورة قادة
الانقلاب في مصر اليوم، أقرب ما تكون إلى صورة النظام الحاكم في دمشق، لجهة
اعتماده الصارم على الحل الأمني من قتل واعتقالات، ولجهة محاولة شيطنة الخصوم،
وقطع الطريق على أي حل تسووي .

وكما هو حال نظام
الأسد، يعتمد نظام السيسي على دول إقليمية لتعويمه سياسياً، وانتشاله اقتصادياً،
في ظل انكفاء دولي، اختار حالة الترقب شكلياً وإن كان الاعتقاد الراجح أن لتلك
الدول أدوار خفية تدفع تحت الطاولة نحو خيارات محددة تناسبها، سواء مباشرة من خلال
اتصالاتها مع الأطراف المعنية، أم عبر توكيلات إقليمية.

حتى في أحلك أيام
حكم العسكر في مصر، ظل المتظاهرون يستطيعون الخروج والتظاهر تحت تغطية من وسائل الإعلام،
وهذا طبعا ًلم يكن متاحاً للسوريين في أية مرحلة من المراحل.

لقد اعتمد كلا
النظامين في دمشق والقاهرة على العناصر المسلحة أو شبه المسلحة غير الرسمية، فيما
عرف بالشبيحة في سوريا والبلطجية في مصر، وبينما لا يعرف تحديداً عدد الشبيحة في
سوريا، وان كان يقدر بعشرات الآلاف ، تشير بعض التقديرات إلى أن هناك نحو
300ألف بلطجي في أنحاء مصر، منهم 43 ألفا مسجلون “خطر ” لدى
الداخلية في القاهرة وحدها.

وخلافاً للمراحل السابقة منذ قيام الثورة في
مصر، كانت هناك فسحة للمعارضين وتسامحاً نسبياً معهم من قبل وسائل الإعلام، ومن
قبل القضاء والمجتمع ، وهي صورة بدأت تتغير بسرعة في الآونة الأخيرة، حيث برز ما
يشبه الإرهاب الجسدي والفكري إزاء المعارضين، يقارب الحالة السورية، وإن أقل درجة
حتى الآن .

في كلا النظامين، وفي كل المراحل، كان المعارضون
محل اتهام بأنهم مرتبطون بجهات خارجية، تمويلاً، وتسليحاً بهدف نزع ” الصفة
الوطنية” عنهم، وتصوير الخصم كعميل لقوى خارجية، أو بأحسن الأحوال أداة ساذجة
بيدها. وتبرز هذه الاتهامات في سوريا بصورة أكثر حدة، وتكاد تكون نقطة الارتكاز في
دعاية النظام ضد معارضيه.

ورغم الدعوات
التي صدرت لأفراد الجيش والشرطة للانشقاق، وعدم إطاعة الأوامر بإطلاق النار على
المتظاهرين، لكن لم تسجل حالات انشقاق في الجيش المصري، أو الشرطة، خلافاً للوضع
في سوريا. وربما يعود هذا أساساً لأن الجيش المصري أكثر تماسكاً، حيث أعمال القتل
التي قام بها أو سمح بالقيام بها ، بدأت منذ فترة قصيرة نسبياً، ولا يزال اغلب
المصريين يثقون بجيشهم الوطني.

على عكس
الوضع في سوريا، إذ لم يكن ثمة فرصة
لمتابعة أي صوت إعلامي، خارج السياق الرسمي، خلال كل مراحل الثورة، ولا تزال كل
وسائل الإعلام العاملة في العلن، تردد رواية النظام حول ما يجري، وهي صورة كانت مختلفة
في مصر إلى مرحلة ما بعد الإنقلاب العسكري، الذي لجأ بدوره إلى مقاربة مشابهة لحال
سوريا، حيث بادر إلى إغلاق المحطات المناوئة، وضيق نسبياً على الإعلام الخارجي، وأطلق
الإعلام المحلي، ليشن حملة مسعورة، تشيطن الخصوم، وتعزو لهم كل شرور العالم، حتى
حملهم مذيع إحدى المحطات مسؤولية سقوط الأندلس.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *