الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / الإلهام في الشأن التركي

الإلهام في الشأن التركي

عبد القادر عبد اللي

كلما
دخلت برفقة وفد تركي إلى أحد (المسؤولين السوريين) في الحزب والدولة أيام شهر العسل
التركي السوري، يقف المسؤول وقفة استعداد يستذكرها من أيام طلائع البعث، ويبدأ خطبة
غير عصماء، لابد وأن تكون عبارة “القائدين الملهمين بشار الأسد ورجب طيب أرضوغان”
لازمة لمطلعها بالطبع، وكنتُ كمترجم غالباً ما يمتقع وجهي بالحمرة خجلاً عند ترجمة
هذه العبارة، وفي كثير من الأحيان أترك ترجمتها للمترجم الضيف، لأنه لا يوجد في تركيا
ما يُسمى قائد ملهم، وسأجد صعوبة جمة بتفسير “قائد ملهم” دلالياً.

وهذا
لا ينسحب على أرضوغان فحسب، بل حتى على أتاتورك الذي له قداسة دنيوية لدى عموم الأتراك،
فالإلهام صفة تحمل قداسة إلهية ما ورائية، لا تطلق على البشر في أعرافهم العلمانية.

مع أحداث
الربيع العربي تبين أنه ليس “المسؤولون السوريون” فقط من يجهل عدم وجود قادة
ملهمين في العالم، سوى كوريا وكوبا وسوريا وإيران (المرشد طبعاً)، بل غالبية النخبة
الثقافية أيضاً، وتجلى هذا بوضوح عند تناول قضايا الدستور، والعلمانية، واحتجاجات حديقة
(غزي/ النزهة)، وقضية أرغونيكون (التخطيط لانقلاب عسكري) وغيرها.

الدستور

وضعت
الدستور التركي الحالي لجنة تأسيسية، شكّلها مجلس الأمن القومي إثر انقلاب 12 أيلول
1980، وحظي بالاستفتاء الذي نظمه العسكر بتاريخ 7 تشرين ثاني 1982 بنسبة 91,37%، “نعم”
على طريقة الاستفتاءات العربية إلا قليلاً، وأعلنت النتائج في 9 تشرين ثاني 1982، واعتبر
ساريَ المفعول منذ ذلك التاريخ.

بدأت
التعديلات الدستورية عام 1987، أي بعد أربعة أعوام، مع التحول من الحكم العسكري إلى
الحكم المدني مع إجراء أول انتخابات برلمانية، ونجاح حزب الوطن الأم بزعامة “طورغوت
أوزال “عام 1983، ومنذ ذلك التاريخ حتى عام 2010 جرت تعديلات كثيرة إلى أن أصبح
الدستور يمكن تشبيهه “برداء لم يعد يعرف قماشه الأصلي لكثرة ترقيعه”!

الغريب في الأمر، أن الأحزاب السياسية كلها منذ ذلك
التاريخ حتى الآن تشتكي من هذا الدستور، وتستخدم انتقاده مادة للدعاية الانتخابية،
ولكن أحداً منها لم يُقدم بديلاً ملموساً أو دليلاً على جديته في هذه القضية.

في عام
2011، وضع حزب “العدالة والتنمية” قضية كتابة دستور جديد على رأس برنامجه
الانتخابي، ووعد بإنجاز هذا المشروع خلال دورة حكمه الثالثة الحالية. الأغرب، أن الأحزاب
الأخرى التي نافست العدالة والتنمية في الانتخابات لم تأتِ على انتقاد هذا البند من
برنامج العدالة والتنمية، إذ تعرف بأن هذه قضية تحظى بشبه إجماع، والوقوف بوجهها يعني
انتحاراً سياسياً.

العمل
على كتابة الدستور جارٍ، وبدأت التهم تُكال بأن “العدالة والتنمية” يدوّن
دستوراً على مزاجه، يضمّنه ثغرات يمكن استغلالها لإزالة علمانية الدولة (ولهذه القضية
أطرف ستأتي تالياً).

علماً
أن الدستور لم يخضع لمناقشة الهيئة العامة في المجلس (البرلمان)، وبعدها سيقدم لاستفتاء
عام.

النخبة
العربية المولودة في بيئة ديكتاتورية، ورضعت من لبنها، وفُطمت عليها لا تعرف بأن هناك
استفتاء حراً، ديمقراطياً، مُراقباً من صحافة العالم ومراقبيه من أول خطوة إلى آخر
خطوة، فتصوّر (بالمطلق) بأن الاستفتاء على شاكلة استفتاءاتنا العربية، التي يعتبر التصويت
فيها بغير رغبة القيادة الملهمة ضرب من ضروب الكفر بالله، تعتمد في تحليلها هذا على
تصريحات المعارضة التركية طبعاً دون إدراك أن ليس كل ما تقوله المعارضة أو الموالاة
يُعتمد في التحليل، وهناك كثير من الديماغوجية المستخدمة في الدعاية لا تسمن ولا تغني
عن جوع.

العلمانية

نشرت
جريدة الحياة بتاريخ 16 آب 2013 مقالاً للكاتب (فيكين شيتريان)، وهو كاتب لم يُنشر
له بالعربية سوى هذه المقالة، وحاولت الاستقصاء عنه كثيراً فلم أفلح، ينقل الكاتب عن
صحيفة “آغوس” الأرمنية الصادرة في تركيا بأن الحكومة التركية تمنح في سجلاتها
الخاصة لكل منسوب إلى طائفة دينية رقماً معيناً، واستغرب الكاتب من عدم نفي وزير الداخلية
هذا الأمر بشكل علني، وبناء على هذه النتيجة يتوصل الكاتب إلى أن تركيا تسيء للمبادئ
العلمانية منذ تأسيس الجمهورية؟!

حين
قرأت هذه المقالة تجلت في عقلي الصورة التالية: “كاتب ولد في الظلام، وعاش في
الظلام، وفجأة خرج إلى الشمس، ليراها أنها تشرق من الشرق، فانطلق في الشوارع يصرخ بهذيان
شديد كأرخميدس: وجدتها، وجدتها… الشمس تشرق من الشرق!”

ستقولون ما علاقة هذا الأمر بما جاء في المقالة،
وأنا سأجيب من الآخر: “نعم، لم تكن تركيا في أي يوم من الأيام علمانية!”
وعلى الرغم من أن هذه بديهية، ولكن ثمة قصد من إخفائها، خاصة وأن العلمانية وردت في
المادة الثانية من الدستور كإحدى المواد غير القابلة للتعديل (تسمى المواد فوق الدستورية).

بموجب
معاهدة لوزان الثانية التي وُقعت بين الجمهورية التركية والدول الأوربية المنتصرة في
الحرب العالمية الأولى في 24 تموز 1923 يُفرض على الجمهورية التركية احترام الحقوق
الخاصة بالأقليات (غير المسلمة)، وهكذا فالحكومات التركية المتعاقبة مضطرة للرضوخ لهذه
الاتفاقية الدولية، وأصبحت كلمة “أقلية” تعني “مجموعة غير مسلمة”.

من الطبيعي
أن نرى نخبة المسيحيين، واليهود، والأرمن الأتراك يقيمون حفلات زفاف تنقلها برامج المنوعات
في التلفزيونات، وتصورها الصحف، ويبرز فيها رجل الدين المسيحي أو اليهودي وهو يكلل
العروسين، فهل يستطيع مسلم أن يعقد قراناً شرعياً؟ هذا ممنوع بالقانون!

عندما
تولى نجم الدين أربكان عام 1996 رئاسة الحكومة قال في مؤتمر صحفي: “نحن نريد كمسلمين
أن نُعامل معاملة أخوتنا المسيحيين واليهود في تركيا!” طبعاً كانت هذه العبارة
غامضة تماماً عن المثقف العربي، فما المقصود؟

عندما
يُفرض قانون أحوال شخصية مدني، ويُمنع الشرعي يجب على الأقل أن يُمنع عن الجميع مسيحيين
ومسلمين، ولكن معاهدة استقلال تركيا تمنع تطبيق هذا الأمر على (غير المسلمين)، هذا
يعني أن غير المسلمين مستثنين من العلمانية بقرار مرجعياتهم واتفاقيات دولية ملزمة،
وليس بقرار الحكومات التركية المتعاقبة منذ عصمت أمينونو حتى رجب طيب أرضوغان…

بقيت
هذه الثغرة في العلمانية التركية جرحاً نازفاً طوال تاريخ الجمهورية التركية، وبناء
على هذه القضية فُهمت العلمانية أنها عداء للإسلام لأنها تعطي غير المسلمين حقوقهم
الدينية، بينما تحرم المسلمين من هذه الحقوق.

احتجاجات حديقة غزي (النزهة)

إثر
احتجاجات ساحة تقسيم (حديقة غزي/ النزهة)، انشغلت الصحافة العربية كلها بقضية:
“هل بدأ الربيع التركي؟” طبعاً لو أحصينا ساعات البث التلفزيوني ومساحات
صفحات الجرائد التي تناولت هذا السؤال، لنتج لدينا كماً هائلاً مذهلاً، لن أناقش السؤال
طبعاً، ولكن سأناقش عدم منطقية هذا السؤال.

ماذا
يعني الربيع العربي؟ “هو احتجاج على أنظمة ديكتاتورية أبدية وراثية لا تسمح بأي
مشاركة سياسية لأي حزب سياسي لا يخضع لقائد ملهم” هل يوجد في تركيا قائد ملهم؟
ألا يوجد في تركيا صحافة حرة؟ ألا يوجد في تركيا أحزاب؟ ألا يوجد في تركيا انتخابات
حرة نزيهة يراقبها العالم كله؟ وتعترف بنزاهتها الأحزاب الناجحة، مثلها مثل التي لا
تحقق النجاح؟ ألا تسعى تركيا للتحول الديمقراطي، معتمدة على معايير كوبنهاغن التي يفرضها
الاتحاد الأوربي؟

بما أنه لا يوجد في تركيا قائد ملهم، والإجابة على
بقية الأسئلة بنعم، يؤدي بنا إلى أن السؤال حول الربيع التركي كان بائساً. لأن سقوط
أرضوغان، ونجاح حزب غيره –إن تم- لا يغير شيئاً من الأمر؛ فمعايير كوبنهاغن ستبقى هي
الناظم الأساسي للديمقراطية التركية، والتواؤم مع الاتحاد الأوربي عمل لا أحد يدعي
حتى مجرد الادعاء بأنها خطوة يجب التراجع عنها، هذا لا ينكر وجود بعض التصرفات التي
يمكن أن تُصنف ديكتاتورية، ولكن من يُقدم على هذه التصرفات يُقدم حسابه للناخب التركي
في الانتخابات.

على
الرغم من هذا، سرّبت الحكومة يومئذ بشكل غير رسمي بأنها يمكن أن تُقدم على انتخابات
مبكرة، فانسحب أكبر الأحزاب المشاركة بالاحتجاجات لأن استطلاعات الرأي العام تقول إنه
سيسقط إلى المرتبة الثالثة في البرلمان بنسبة خمس نقط على الأقل، أي سيعود إلى نسبة
20%، وهو الآن في المرتبة الثانية بأصوات تصل إلى 26%، ويتقدم عليه حزب يميني متطرف
هو حزب الحركة القومية، وسيكون التفاهم بينه وبين حزب العدالة والتنمية أسهل، وسيحافظ
حزب العدالة والتنمية على نسبته الحالية وهي 50%، وهناك بعض الاستطلاعات تنبأت بأن
يخسر خمس نقط، وبهذا يبقيه حاكماً.

ويجب
ألا ننسى أن “حزب العدالة والتنمية” قد اتخذ قراراً بإجراء انتخابات مبكرة
في الدورة الماضية قبل عام من انتهاء ولايته، وقد اقتنص فرصة تحسين وضعه في البرلمان،
وفعلاً رفع نسبة أصواته ثلاث نقط من 47% إلى 50%، ولكنه اعتبر هذه المرة أنه لا ضرورة
لها، لأن هناك انتخابات بلدية في السنة القادمة، وقد بدأت مرحلة الإعداد لها بعد الاحتجاجات
بفترة قصيرة.

الأحزاب
الباقية في الاحتجاجات هي الأحزاب اليسارية مع اتحاد الجمعيات العلوية، التي رفعت صورة
ضخمة لسيدنا علي على واجهة مركز أتاتورك الثقافي
مطالبة بالعلمانية!

وهذه
المجموعات لم تحصل أفضل مجموعة منها على أكثر من 0,5% من الأصوات، أي إنها أحزاب مسدودة
الأفق حالياً، ولا يمكن لها تحقيق أي شيء.

اللافت
أن الأوربيين أيضاً شاركوا المثقفين العرب رؤيتهم حول الاحتجاجات في تركيا، ولكن المنظور
الأوربي في الحقيقة يكمن من نظرة استعلائية فوقية لتركيا، واعتبارها جزءاً من الشرق
الأوسط، والعالم الإسلامي، وهذا ما جعل أكبر المحطات التلفزيونية العالمية تتناول الاحتجاجات
بموضوعية، إلى درجة أن المحتجين اتهموا مراسلي هذه المحطات بأنهم مرتبطين بالحكومة.

قضية أرغينيكون

كثير
من منتسبي الطليعة المثقفة تناولوا الأحكام التي صدرت في قضية أرغينيكون على طريقة
القضاء العربي، الذي يحكم وفق أهواء الساسة.

أرغينيكون
هو تنظيم عسكري، ومدني، خطط للقيام بانقلاب عسكري يقلب نظام الحكم، ويُركّب حكومة
(علمانية) غير منتخبة.

لم يختلف
اليسار المحتج في ساحة تقسيم، واتحاد الجمعيات العلوية، إضافة إلى حزب الشعب الجمهوري
عن رؤية المثقفين العرب لأحكام المحكمة، وطبعاً المقارنة غير منطقية، والدليل واضح.
فهؤلاء “علمانيون حبسهم إسلاميون” تنفيذاً لمآربهم بتحويل تركيا إلى دولة
تحكمها الشريعة.

الأمر
المدهش أن هؤلاء أنفسهم هم الذين صفقوا للقضاء قبل عشرة أعوام فقط عندما حكم على رجب
طيب أرضوغان بالسجن تسعة أشهر لإلقائه أبياتاً من الشعر للشاعر التركي “زيا غوكالب”
في اجتماع عام يقول فيها: “المآذن حراب/ القباب خوذات/ الجوامع ثكنات/ والمؤمنون
جنود..”

لن أدعي
بأن القضاء نزيه بالمطلق، ولا يوجد قضاء نزيه بالمطلق، ولكن القضاء عموماً يَحكم وفق
ما تتوفر له من أدلة وما يستند إليه من قوانين. يمكن أن تكون القوانين ظالمة، ويمكن
أن تكون هناك أدلة قد اختفت، ويمكن أن يتم التلاعب بالأدلة، ولكن القضية هنا لا تتناول
هذه الجوانب، بل هي ترى بأن من حق هؤلاء القيام بانقلاب عسكري، والقضاء ظلمهم…

الإلهام

لقد
فتح الربيع العربي صفحة مهمة جداً على صعيد الوعي، فليس الديكتاتور وحده من يجب تغييره،
بل العقلية الديكتاتورية، وهذه العقلية من الصعب أن تتغير بين ليلة وضحاها، هل سأقف
مرة أخرى ممتقع الوجه أمام مسؤول وهو يحيي القائدين الملهمين الذين لا أعرف اسمها حالياً؟
إذا كان الأمر على هذا النحو، فالربيع مازال بعيداً وإن سقط النظام غداً…

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *