رانيا مصطفى
منذ بدء الثورة، وحيث قابلها النظام بالعنف
المتصاعد، دأبت أطيافٌ من المعارضة السورية تلهث وراء تدخل دولي ينقذ الشعب السوري
من عنف النظام، متناسين أن هذا العنف سببه ثورة الشعب، وأن إنهاءه يبدأ ويتم بدعم
الثورة، وانتقادها وتصويبها، وليس بتدخل خارجي. لذلك سارعت تلك المعارضات تشكل
المجالس والهيئات، والتي يقتصر نشاطها السياسي، وتركيبتها، على إقناع الدول العظمى،
وغير العظمى، للتدخل، وبأي شكل كان، لإسقاط النظام، أو التسوية معه؛ ما جعل تلك المعارضات
ألعوبة بيد الدول العظمى، فالغرب وتوابعه يتلاعبون بالمجلس الوطني، والشرق الروسي
وتوابعه يتلاعبون بهيئة التنسيق، وهكذا…؛ وكان الضرر من تلك المعارضة هو أكبر
على الثورة، فطيفٌ منهم خَدَع جزءاً من الشعب، الذي يعاني من القتل والتدمير،
بإمكانية تدخل عسكري أميركي أوروبي أو دعم بالسلاح، يساعد الثورة على الانتصار،
وذلك استنساخاً للثورة الليبية؛ وآخرون خدعوا جزءاً آخر من الشعب بإمكانية الحوار
والحل السياسي مع النظام دون الحاجة إلى عسكرة الثورة، وبرعاية روسية.
الواقع، أن أياً من المعسكرين الإمبرياليين الغربي أو الشرقي معنيٌ بحماية
الشعب السوري، بل هم معنيون بمصالحهم وحدها في إعادة اقتسام العالم، خاصة بعد
التغيرات التي أحدثتها الأزمة المالية العالمية منذ 2008.
النظام يجيد لعبة السياسة الدولية، لذلك استشف الضوء الأخضر من المجتمع
الدولي لغض النظر عن جرائمه؛ وتصاعد استخدامه لأسلحة التدمير الشامل، مع تزايد
عجزه أمام قوة الثورة واتساع انتشارها وتجذرها. وبعد تقدم الجيش الحر الشهر
الماضي، مهدداً بدخول العاصمة دمشق، اضطر النظام إلى استخدام أسلحة كيماوية محرمة
دولياً؛ وكان قد استخدمها عشرات المرات من قبل في عدة مناطق سورية، لكن بكميات محدودة،
إلا أنه في الحادي والعشرين من آب استخدم كميات كبيرة وفي مناطق واسعة من غوطة
دمشق، أدت إلى وفاة أكثر من ألف وخمسمائة شخص، بينهم أطفال. فتجاوز بذلك خط واشنطن
الأحمر، مما أحرج المجتمع الدولي، واضطره للتفكير بالتدخل؛ خاصة أمريكا، حيث تورط
رئيسها أوباما بإعلان متسرع عن ضربة عسكرية عقابية محدودة لمواقع النظام، ثم تراخت
همته وحلفاؤه تجاهها، كون نتائجها غير مضمونة لصالح المصالح الأمريكية الروسية في
ترك سورية للنفوذ الروسي، وفي ضمان حماية حدود إسرائيل أيضاً، وكذلك في وقف الثورة
السورية، وفرض حكم يلائم كل ذلك.
الثورة تتقدم في كل المناطق السورية، عدا حمص التي استطاع النظام استعادة
القصير فيها، وجزءٍ من الخالدية؛ لكن تقدمها بطيء، ولم تصل إلى درجة إسقاط النظام؛
هذا يعطي المجتمع الدولي فرصة للتريث، وترك الأمور تتفاعل لوحدها من جديد، دون أن
يضطر إلى تدخلٍ ملحٍ يحمي مصالحه ويفرض أجنداته؛ وربما، في اللحظة الحرجة التي
توشك الثورة فيها أن تسقط النظام، يتدخل عسكرياً، أو يفرض الحل السياسي.
لكنه غير معني بحماية أرواح السوريين، أو إيقاف الاقتتال؛ بل همه الحالي
والملح هو مسألة منع السلاح الكيماوي من الوصول إلى أيادٍ قد تستخدمه ضد إسرائيل،
خاصة مع تسريبات عن نقله إلى العراق ولبنان؛ ويبدو أن الأمر متعلق بمدى تجاوب
النظام مع المجتمع الدولي، والذي أعلن عبر سفيره في مجلس الأمن بشار الجعفري انضمامه
إلى اتفاقية منع استخدام الأسلحة الكيماوية، في عودة قوية للديبلوماسية السورية في
المجتمع الدولي.
النظام الذي يتشدق بالممانعة، ويتحجج بها لقمع شعبه بالحديد والنار، لا بد
أن يستغل عبر إعلامه كل ثغرة في الثورة السورية؛ فكيف إذا كانت عورة!، إنها
المعارضة السورية اللاهثة وراء تدخل إمبريالي في سورية. وإعلان النظام عداءه للدول
الإمبريالية عبر خطابه الإعلامي، لا ينفي أن هذه الدول هي إمبريالية بالفعل؛ فالغرب
الإمبريالي الذي تستجديه المعارضة للتدخل هو ذاته الذي يدعم النظام في الخفاء،
ويتغاضى عن جرائمه في حق الشعب السوري، وكذلك فإن روسيا، حليفة النظام، هي أيضاً
تمثل قطباً إمبريالياً ينافس الغرب على اقتسام النفوذ في العالم وبنفس الأسلوب
الإمبريالي.
أما المعارضة فبعضها إسلامي يعتقد بأنه يمثل الغالبية الدينية
“السنية”، وأن له الحق في الحكم، ويريد إسقاط النظام بأية طريقة، ويدعمه
في ذلك الرجعيات العربية وتركيا؛ وإما أنها معارضة ليبرالية من أصول تعود إلى
أحزاب يسارية، أحزاب فشلت في فهم الواقع خلال تاريخها، سواءً تحالفت مع السلطة، أو
ظلت تعارضها، ما شكل عقداً لدى المرتدين عنها، نماها وزاد عليها استبداد النظام وقمعه
وسجنه الطويل لهم. تلك المعارضة، اليسارية سابقاً، ما تزال مصرة على ألا ترى في
الغرب أو روسيا إمبرياليات، بل جمعيات خيرية وإنسانية تحتاج إلى من يقنعها للتدخل،
رغم كل فضائح المجتمع الدولي، وعدم اكتراثه لدماء السوريين المهدورة طيلة أكثر من
عامين ونصف.
الدول العظمى المتحكمة في مجالس المجتمع الدولي، وما يلحق بها من منظمات
حقوقية وثقافية وتربوية… هي دول إمبريالية؛ وليس لها اسمٌ أنسب من الإمبريالية!
فهي، ومهما سمّت منظماتها بأسماء براقة، ومهما ادعت أنها تريد نشر القيم المدنية
والمواطنة والديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان والطفل والمرأة والحيوان…، فإن
كل سلوكياتها وتدخلاتها طيلة تاريخها تدل على أن تلك القيم، التي تتشدق بها منظمات
المجتمع الدولي، ليست إلا ستاراً تخفي وراءه نوايا الإمبرياليات المتنافسة على
النفوذ السياسي في العالم لاقتسام ثرواته وأسواقه وإبقائه تابعاً لها، ومنعه من
إنشاء اقتصاد منتج زراعي وصناعي، بل إبقاء اقتصاد العالم في الأطراف البعيدة عن
المراكز الإمبريالية تابعاً ريعياً، وصيتاً، وربحياً. ولهذا الغرض هم يسعون إلى
إبقاء المجتمعات في الدول التابعة مفككة إلى هويات دينية وقومية ما قبل وطنية، ومن
أجل ذلك هم يدعمون الاستبداد والإرهاب الديني والفكر الطائفي خفية. إذاً، إنها دولٌ
إمبرياليةٌ… فحَسْبُ!!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث