غيث
الأحمد
لم
تعد الحدائق العامة وحدائق ألعاب الأطفال مكاناً لزرع الورود ولترفيه الأطفال عن
أنفسهم، بل أصبحت الآن مكاناً لدفن الأجساد، فهذا حال مدينة دير الزور بعد أكثر من
420 يوماً من الحملة العسكرية التي تشنها قوات النظام السوري على المدينة.
بسقوط أول شهيد على أرض دير الزور، وهو
الشهيد معاذ الركاض البالغ من العمر 17 عاماً الذي استشهد على يد عناصر قوات
النظام في مظاهرة سلمية في جمعة أطفال الحرية 3 / 6 / 2011، وتخليداً لذكرى
الشهداء الذين ضحوا بدمائهم من أجل نيل الحرية والكرامة، قرر أهالي محافظة دير
الزور إقامة مقبرة خاصة سموها “مقبرة شهداء الحرية”، وهذه المقبرة جزء
تم اقتطاعه من مقبرة المدينة العامة.
وبعد دفن الشهيد معاذ الركاض، دفن في
اليوم التالي الشهيد عبد المنعم حبشان، ثم توالى سقوط الشهداء لتضم المقبرة لاحقاً
عشرات الشهداء.
ومع بداية سيطرة الجيش الحر على أحياء
المدينة توضعت مدفعيات النظام على الجبل المطل عليها، حيث توجد خلفه مقبرة دير
الزور، وهي عبارة عن مساحة أرض كبيرة تمتد من ذلك الجبل وحتى نحو خمسة كيلو مترات،
باتجاه مدخل المدينة الجنوبي، وخوفاً من الثوار قامت قوات الأمن بسد جميع الطرق
المؤدية إلى المقبرة، وبهذا لجأ الأهالي في البداية إلى الحدائق العامة ثم أصبحوا
يدفنون شهداءهم في أي بقعة تراب يصادفونها.
لم
يعد هناك أعداد كبيرة من المدنيين تواكب الجنائز وبات تشييع الشهيد في المدينة “أُمنية”،
وأقتصر الأمر على اصطحاب الجثة من قبل عدد محدود من الأشخاص ومن ثم إقامة الصلاة
عليه ودفنه بأقرب بقعة تراب خلال أقل من ساعتين بعد موته، وذلك بسبب عدم تواجد
معظم أهالي المقاتلين أو المدنيين كما أن الفصائل المقاتلة في دير الزور تضم أشخاص
من مختلف المحافظات السورية، وللدلالة على هوبة
الأجساد التي وارت الثرى يبقى حجر أو ورقة صغيرة وضعت على القبر كتب عليها بقلم
أسم صاحب القبر وتاريخ وفاته لتشهد على وجود رفاته في هذا المكان بعد عودة ذويه
إلى المدينة.
وتقول أم محمد وهي أحد الأمهات التي فجعت
بقتل أحد أبنائها “إن الحديقة العامة التي تقع أمام منزلهم كانت كل يوم جمعة
تكتظ بالناس الذين يأتون إليها للترويح عن أنفسهم والسماح لأبنائهم اللعب
والاستماع ببعض الوقت فيها، وأما الآن فباتت تلك الحديقة مكاناً حزيناً يأتي إليه
المفجوعون بأولادهم لكي يقرؤون الفاتحة على أرواح أبنائهم الذين قتلوا في المدينة،
وتذكر الأيام الجميلة التي كانت تجمعهم بهم”.
وأوضح أحد عناصر الجيش الحر في دير الزور
والمنتمي لحركة أبناء الإسلام لم يرغب في الإفصاح عن اسمه “أن أجساد الشهداء
لا ترتاح حتى بعد موتها حيث أن حدائق المدينة التي أصبحت مقابر تلقت العديد من
القذائف والصواريخ وهذا ما يجعل مهمة نقل الجثث في المستقبل صعبة، مضيفاً أن الدفن
لم يقتصر على الحدائق العامة وإنما الدفن أحياناً يتم في أي بقعة تراب قريبة
كحدائق المساجد وحدائق البيوت”.
وأكد عدد من الناشطين على عزمهم بعد سقوط
النظام، على نقل رفات جميع الشهداء من الحدائق والمنازل إلى المقبرة العامة،
لدفنهم ضمن مراسم تليق بهم، فيقول الناشط أبو محمد “إن شهداء الحرية يجب أن
يكرموا، ودفنهم في المقبرة العامة أقل ما يمكن فعله تجاههم، وتجاه ما قدموه في
سبيل تأمين حياة كريمة لأبناء المدينة”.
وتسائل
أبو عمر أحد أبناء مدينة دير الزور “إلى متى سيبقى دفن الشهداء داخل المدينة
ضمن مقابر عشوائية؟، مضيفاً أنه يجب على المجلس المحلي لمدينة دير الزور إيجاد
مكان محدد لدفن جميع الشهداء فيه ونقل بعض القبور التي هي داخل حدائق المنازل
إليها وذلك حفاظاً على ما تبقى من تلك القبور بعد تعرض المنازل للقصف القوي”.
وأشار
أبو عمر إلى أن السيطرة على حي الحويقة بالكامل وتأمين مدخل المدينة بشكل جيد
يُمكن الجميع من إيجاد منطقة ملائمة للدفن خارج المدينة.
من
جهته لا يستطيع عبد الوهاب أحد النازحين إلى خارج المدينة من قراءة الفاتحة على
قبر أحد أقاربه الذي دفن داخل أحد حدائق المدينة وذلك لأن الدخول إلى المدينة سيعرضه
للخطر، ويقول عبد الوهاب كان يجب على الهلال الأحمر العربي السوري التدخل بهذا
الأمر الإنساني منذ البداية ووضع طريقة للتفاوض بين الطرفين لنقل الضحايا ودفنهم
في المقبرة العامة للمدينة والتي يستطيع الجميع الذهاب إليها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث