عبد القادر عبد اللي
قبيل غزو العراق، سهلت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها وصول المتطرفين إلى العراق، ولم تخف هذا الأمر حين قالت: “دعوهم يتجمعوا، ليقتلوا في مكان واحد”. لم يبق أحد في المنطقة لم يساهم أيضاً من إنجاح هذه الخطة الأمريكية، وخاصة الجهات المختصة لنظام الأسد، فذهبت أعداد كبيرة من سورية إلى العراق، وخاصة من مناطقها الشرقية بسبب الارتباطات العشائرية على طرفي الحدود.
إنها تجربة خاضتها الإدارة الأمريكية، وساهمت فيها أجهزة الأمن السورية بقوة، و”أبو القعقاع” لم يكن الوحيد، فهناك كثيرون مثله، ومازالوا، ثم جاءت الساحة السورية لتطور هذه التجربة وتدخلها في بعد جديد.
كان الإرهاب بالنسبة إلى الولايات المتحدة ضرورة استراتيجية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وبقي كذلك، ومازال على هذا النحو، فهي ترفض كل محاولة للقضاء عليه في سورية. ولعل أوباما هو الرئيس الأمريكي الأكثر جرأة عندما أفصح عن هذا الأمر، ففي مؤتمر العشرين الذي عقد في أنطاليا الشهر الماضي، قال رداً على أرضوغان حين طلب منه الموافقة على إقامة مناطق آمنة، وتأمين الشمال السوري من الإرهاب: “بفرض أننا أرسلنا جنوداً، وطردنا التنظيم من الرقة، وحتى من سورية، فإن الإرهابيين سيذهبون إلى أمكنة أخرى، وهذا ما سيجعلنا ننتقل من جبهة واحدة إلى جبهات عديدة”. بهذه العبارة، أفصح أوباما عن سبب عدم اتخاذ دول التحالف الغربي قراراً حازماً في قضية داعش، فهم يريدونها في سورية والعراق فقط، وليس في أي مكان آخر.
وهكذا تحولَ المتطرفون إلى ورقة استراتيجية في أيدي الطغاة. وبوتين لا يختلف عن أي طاغية، فلماذا لا يأخذ حصته من هذه الكعكة؟ دخل بوتين بقوة، ورفع وتيرة القصف والضرب لكل من يحارب داعش، أو يختلف معها، وضربُ المدنيين والأسواق والأفران هو جزء من سياسة بث اليأس في الناس، لتذهب نحو داعش، ويُقوي داعش. كما أنه جرب الأسلحة الحديثة كافة، فهو بهذا يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. فسورية ساحة تجربة ليس للاستفادة من الإرهاب فقط، بل من سوق السلاح أيضاً، فأسعار النفط تتهاوى، والاقتصاد الروسي لا يمكن أن ينقذه سوى بيع السلاح.
لم تكن صواريخ إس ثلاثمائة وأربعمائة موجهة إلى السوريين، فهذه الصواريخ فاعلة في الجو والبحر والأرض، وبما أن المعارضين السوريين المسلحين أو الإرهابيين ليس لديهم بوارج وطائرات فإن هذه الصواريخ لن تهددهم، لهذا فهي موجهة إلى جيوب المشترين. ولعل الأمر بدا جذاباً لبوتين، فقد قرر تسريع مشروع إس خمسمائة، وسرّعه فعلاً، وبعد أن كان مقرراً أن يدخل الخدمة عام 2017، تقرر إدخاله الخدمة في مطلع عام 2016، وأعلنت مصادر عسكرية روسية بأن هذه الصواريخ ستجرب في سورية قبل نهاية 2015.
المتطرفون بأشكالهم المذهبية كافة يشتركون بهذه التجارب اعتقاداً منهم بأنهم أذكياء أو مقابل ثمن. لذلك من السذاجة الاعتقاد بأن هناك جدية بمحاربة المتطرفين، فهم الورقة الاحتياطية لأي مشروع مهما كان هذا المشروع. وهم ورقة ضد الأطراف كافة في المنطقة، وتستفيد منه الأطراف كافة في المنطقة أيضاً. ولعل ما حدث مع “ستمائة” عنصر من القوات المسلحة التركية في الموصل هو خير دليل على هذا الأمر. فقد اعتبرت إيران: “تدريب الأتراك للبشمركة ضد داعش احتلال”، ولكن “تدريب الأمريكان لحزب العمال الكردستاني ضد داعش عمل يندرج ضمن مكافحة الإرهاب”. من جهة أخرى: “دخول القوات الإيرانية إلى العراق لا يحتاج حتى إلى موافقة الحكومة العراقية، لأن العراق جزء لا يتجزأ من إيران، ومن واجبها مكافحة الإرهاب”، ولكن دخول بضعة جنود أتراك لتدريب البشمركة في مواجهة داعش هو “دعم للإرهاب”. وبالطبع يمكن اعتبار قضية نفط داعش مثالاً آخر على هذه القضية.
لا شك أن صواريخ إس ستمائة لن تجرب على أي إرهابي، وهي ستجرب على مواطنين أبرياء، وعلى أبعد تقدير. وفي حال ضغطنا كثيراً على خيالنا، وشطحنا أكثر من اللازم، فيمكن أن تجرب على إحدى طائرات التحالف الدولي الذي يلاعب داعش في حال تمادت هذه الطائرات بالمداعبة، وأبدت شيئاً من الشدة، أو على إحدى الطائرات التركية ليستعيد بوتين هيبته المنهارة.
سورية مختبر تجارب، تجارب في تأسيس منظمات إرهابية، وتجارب في التطرف، وميدان لتجربة أحدث ما تنتجه مصانع الأسلحة، وتجارب على تجارة الأعضاء والبشر، وتجارب التنسيق الدولي مع إسرائيل… وهناك إنسان سوري رخيص جداً، وحتى أقل كلفة من فأر التجارب في المختبرات، جاهز لدفع الثمن، وهذا الثمن يدفعه إما عن إيمان أو مرغماً لأنه وُجد في هذا المكان فقط.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث