محمد الصالح
يعد ارتفاع نسبة البطالة من الأزمات الأساسية المرافقة لانهيار الاقتصاد. فبعد أكثر من 4 أعوام على بدء الثورة السورية، شهد الاقتصاد السوري ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات البطالة التي ارتبطت بالتضخم الحاد الذي يعيشه، مما أدخله في حالة من الموت السريري، والتي من المؤكد أنها لن تنتهي مع انتهاء الأزمة، لما يتبعها من نتائج كارثية على الاقتصاد والمجتمع في المستقبل.
بدأت قوات الأسد في 20 تشرين الثاني الماضي، حملة ضد الشباب المتخلفين عن الخدمة الإلزامية، رافقتها حملة لتدعيم صفوف جيش الأسد عبر استدعاء 70 ألف عنصر من صفوف الاحتياط في مناطق نفوذه. وما إن انتشر الخبر حتى اختفى الشباب من الشوارع، وبات هذا الأمر كابوساً يؤرقهم ويضعهم أمام خيارين: التزام المنزل وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى، أو الهجرة وترك كل شيء وراءهم.
فرار الشباب من مناطق النظام خلق العديد من فرص العمل، حيث بدأت تنتشر على واجهات المحال التجارية والبقاليات والورش إعلانات تطلب شباناً للعمل. يصف أبو سامر، خمسيني من سكان دمشق، ذلك بـ”النكبة والأمر العجيب في نفس الوقت، فكيف ببلد يحترق واقتصاده مدمر تظهر فيه فرص عمل”.
(حسام)، عاد من إحدى البلدان العربية بعد أن أنهى درجة الماجستير، ليعين مدرساً في جامعة دمشق، لكنه لم يكمل العام في سوريا حتى طُلب إلى الخدمة الاحتياطية، ما اضطره للهرب خوفاً من الموت. يقول “لم استفد من المنحة التي حصلت عليها. درست وتعبت، وعندما عدت لأبدأ العمل، طُلبت للموت. كان الهروب من البلد هو الخيار الأسلم، رغم خسارتي لوظيفتي وكل مستحقاتي”.
ويتابع حسام: “أعتبر نفسي محظوظاً كون حكومة النظام بدأت التشديد على الموظفين، حيث عمم على الوزرات والجهات العامة لضبط حالات الاستقالة والإجازات الخاصة بلا أجر وإذن المغادرة، بعد الزيادة الكبيرة في هذه الطلبات في الآونة الأخيرة. وزعم الحكومة أن الهدف من التعميم هو تفادي هجرة بعض أصحاب الكفاءات والخبرات المنتجة، مما ينعكس سلباً على سير العمل لدى الجهات العامة، وفقدان القوة العاملة”.
تحول الفتيات إلى العمل
تردي الأوضاع الاقتصادية، ندرة فرص العمل، تراجع نسب الزواج، وقلة الشباب، كلها عوامل عززت انتشار ظاهرة عمل الفتيات.
عمل الفتيات في دمشق أصبح شائعاً في ظل غياب الشباب، لا سيما في بعض الأعمال التي كانت حكراً على الذكور، ومنها العمل ضمن المقاهي والمطاعم. لكن تردي الأوضاع الاقتصادية، وندرة فرص العمل، وتراجع نسب الزواج وقلة الشباب عزز هذه الظاهرة.
أرقام رسمية
وزير العمل في حكومة الأسد، خلف العبدالله، كشف في تصريح له في 23 تشرين الثاني الماضي، أن “عدد العمال المهاجرين في القطاعين العام والخاص السوريين بلغ 200 ألف عامل”، زاعماً أن “الكثير من العمال في القطاع الخاص اضطروا للهجرة بعد خروج المنشآت التي يعملون بها من الخدمة”.
وكشف تقرير لمركز البحوث في الأمانة العامة لاتحاد المصارف العربية، أن نسبة البطالة في سوريا ارتفعت من 8.6% عام 2010، إلى 57.7% نهاية عام 2014، أي نحو 3.72 مليون عاطل من العمل، ما أدى إلى فقدان مصدر الدخل الرئيس لـ 12.22 مليون سوري.
فضحية التوظيف
نشرة “سيريا ريبورت” الاقتصادية الأخيرة، كشفت أن حكومة الأسد توظف حالياً أكثر من نصف اليد العاملة في البلاد، بعد تدمير جزء كبير من القطاع الخاص خلال السنوات الأربع الماضية.
وذكرت النشرة أنها تستند في أرقامها على تصريحات وزير العمل خلف العبدالله، الذي قال إن “الدولة توظف حالياً مليونين و200 ألف شخص”. مشيرةً إلى أنه في حال كان الرقم صحيحاً، فهذا يعني أن عدد موظفي القطاع العام ارتفع بنسبة 61%، خلال السنوات الأربع الماضية، بعد أن كان قد بلغ عدد الموظفين في عام 2011، نحو 1.36 مليون، من أصل 5.5 ملايين يد عاملة.
وأوضحت النشرة أن هذه الزيادة البالغة 840 ألف شخص، ناتجة في جزء منها، عن احتساب حكومة الأسد الجنود في عداد موظفيها، وهو أمر لم تكن تفعله سابقاً.
ووصلت الزيادة في معدلات التوظيف بقطاع الخدمات العامة إلى 75 ألف موظف سنوياً، أي بمعدل 300 ألف موظف خلال أربع سنوات، وفق المصدر.
ولفتت النشرة إلى أنه “من المحتمل أن تكون هذه الأرقام تتضمن المقاتلين الموالين للأسد”، في إشارة إلى ميليشيا الدفاع الوطني واللجان الشعبية، مستبعدةً من وجهة نظر اقتصادية أن تتمكن الدولة من استحداث وظائف في غياب الاستثمارات العامة
سوق طارد
الغزي: إن سوق العمل في سوريا لم يعد ملاذاً آمناً، سواءً للموظف أو العامل، كما أصبح الوضع الاقتصادي مجهولاً وبات تحليله أمراً صعباً.
الخبير الاقتصادي ممدوح الغزي، وفي تصريح لـ”صدى الشام”، قال إن “سوق العمل في سوريا لم يعد ملاذاً آمناً، سواءً للموظف أو العامل الذي اضطر للتنازل عن الكثير من حقوقه كي يحافظ على مصدر رزقه، ليؤمن لقمة العيش لأسرته؛ فإما يقبل براتب قليل أو يتم تسريحه. أضف إلى ذلك الآن حملة الاحتياط والخدمة الإلزامية التي تطال الفئة العاملة. الأمر الذي يضعف وجود القوة البشرية”، مضيفاً: “الوضع الاقتصادي أصبح مجهولاً في سوريا وتحليله أمر صعب”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث