سقراط العلو
يبدو أن نظام الأسد وفي سعيه للصمود ريثما يؤمن له الحليف الروسي موتاً سياسياً دون ألم، لم يبق له من خيارات سوى استلهام تجربة الدولة العثمانية المترنحة إبان الحرب العالمية الأولى، بشقيها التعبوي المتمثل بحملة التجنيد الشعواء ” الإنكشارية” التي يشنها على من بقي من مواطنين كرهائن في المناطق التي يسيطر عليها، والمادي المتمثل بتمويل الحرب عبر فرض “أتاوات ” رسمية تحت مسمى الضريبة على المواطنين الذين أنهكتهم أصلاً سنوات الحرب وبالكاد يؤمنون يومياً ما يسد رمقهم.
شهدت الضرائب في سوريا خلال الأعوام الخمسة الماضية ارتفاعات بنسب عالية، وخصوصاً تلك المرتبطة بمعاملات الدولة. فمثلاً تتراوح رسوم التسجيل في الجامعة الحكومية ما بين 1600 ليرة سورية لطلاب السنة الأولى حتى 4400 لطلاب السنوات الأخيرة، بينما كانت قبل بضعة أعوام 700 ليرة للطلاب النظاميين. في وقت أضيفت فيه طوابع جديدة لكل معاملات الدولة تقريباً، كطابع إعادة الإعمار، كما زاد عدد الطوابع المالية المطلوبة في المعاملات وارتفعت أسعارها. أما بالنسبة لمعاملات السفر، ارتفعت تكلفة استصدار جواز السفر من 2000 ليرة إلى 6000 ليرة. وبالنسبة للذكور الذين هم في سن الخدمة العسكرية أو خدمة الاحتياط، فعليهم أن يدفعوا 300 دولار إضافية للحصول عليه. أما في ما يتعلق بالضرائب المتعلقة بالخدمة العسكرية الإلزامية، فباتت من الاستحقاقات الجسيمة بالنسبة للشباب، إذ يبلغ البدل النقدي للإعفاء من الخدمة الإلزامية بسبب الهجرة والاغتراب 8 آلاف دولار، أما بالنسبة لتأجيل الخدمة بداعي السفر فهو 50 ألف ليرة. وللحصول على موافقة منح جواز سفر من شُعب التجنيد، على الطلاب الجامعيين دفع مبالغ تتراوح بين ألفي ليرة حتّى 50 ألفاً.
وأخيراً ظهرت ضرائب جديدة في التعليم ما قبل الجامعي، الذي من المفترض أن يكون مجانيّاً بالكامل، كالفحص الترشيحي للتقدّم للشهادة الثانوية والذي يستوجب من الطالب دفع رسم ما بين 1200 ليرة حتى 5 آلاف، بحسب الوضع الدراسي للطالب (مستجد أو راسب أو ناجح).
لم تسلم الشاورما من الضرائب الجديدة التي فرضها النظام وطالت كل مناحي الحياة، حتى أعداد الكراسي في المطاعم
ولم تكتف حكومة الأسد بذلك فقط، بل طالت ضرائبها حتى الشاورما، في إطار سعيها لإيجاد مصادر دخل تدعم آلتها العسكرية، حيث فرضت ضريبة على ساندويتشات الشاورما وعدد الكراسي في المقاهي والمطاعم. إذ وصل سعر ساندويتش الشاورما إلى أكثر من 250 ليرة سورية، وبات على أصحاب المطاعم دفع ضريبة مقابل عدد الكراسي الموجودة في منشآتهم، كما فرضت الحكومة أيضاً ضريبة شهرية تتراوح بين 500 و1000 ليرة سورية على الشقق المؤجرة والمباني التجارية، الأمر الذي سيدفع أصحاب تلك الشقق لزيادة الإيجارات التي قصمت ظهر المواطن أساساً.
كما تجاوز الأسد خطوطه الحمراء التي وضعها برفع سعر ربطة الخبز الذي كان مدعوماً من الحكومة، ثلاثة أضعاف، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المياه والكهرباء، رغم أن توفرها بات يعد رفاهية في مناطق سيطرة النظام.
لم ينجُ التجار والمستوردون من تلك الأتاوات أيضاً، فوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية أوقفت منح إجازات الاستيراد منذ أكثر من عشرين يوماً، وإذا مُنحت الإجازة فهي تُمنح على نطاق ضيق جداً وبشكل استثنائي يمكن أن يفتح أبواباً “مواربة” للحصول على موافقة بالاستيراد للسلع الغذائية.
الأمر الذي يهدد بنفاد المواد الغذائية إذا ظل الوضع على هذا الحال، وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بالنسبة للمستهلك بسبب الندرة في طرحها في الأسواق، وبروز حالات احتكار لدى البعض من ضعاف النفوس، كل ذلك بسبب التريث في منح إجازات أو موافقات الاستيراد.
كما أن الوزارة وبالتنسيق مع المصرف المركزي تعمل على تعديل أسلوب وآلية منح إجازة الاستيراد عبر فرض “مؤونة”، لإلزام المستورد بوضع قيمة كامل مستورداته سلفاً في البنك المركزي ليتم خصم قيمة البضاعة بعد وصولها إلى المرافئ السورية من دون سبب واضح للتجار حول ماهية هذا الإجراء التعجيزي بالنسبة لهم، ولكن يبدو أن الغاية من هذا الإجراء هو سحب أكبر كمية ممكنة من السيولة النقدية بالعملة المحلية لرفع قيمتها أمام الدولار.
يبدو أن الغاية من الإجراءات الجديدة في كافة المجالات، وخاصة فرض “المؤونة” على التجار، هو سحب أكبر كمية ممكنة من السيولة النقدية بالعملة المحلية لرفع قيمتها أمام الدولار
ومعنى هذا الإجراء أن أي تاجر أو مستورد سوف يضطر لدفع قيمة مستورداته مرتين، حيث أن أي شركة في الخارج لن تقوم بشحن البضائع للتاجر قبل دفع ثمنها في وقتها، والمركزي يفرض وضع قيمة هذه البضائع مسبقاً أيضاً، وبذلك يكون التاجر دفع قيمتها مرتين وبطبيعة الحال سيدفع المواطن الثمن عبر زيادة الأسعار.
يستمر المواطن السوري في لعب دور الحلقة الأضعف الذي رسم له في الصراع الدائر منذ خمس سنوات. ومع تعاقب سنوات هذا الصراع تزداد معاناة هذا الخاسر الأكبر، والذي تحول إلى حقل للتجارب تتسابق عليه الدول لاختبار وصفاتها السياسية، ومدى فعالية منتجاتها العسكرية الجديدة من صواريخ ذكية وغبية وعابرة للقارات كما يفعل الروس، إضافة إلى حكومة من المجانين تحاربه في لقمة عيشه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث