الرئيسية / رأي / وطنيون وخونة

وطنيون وخونة

ثائر الزعزوع

بعد مجزرة الكيماوي
التي ارتكبتها قوات النظام السوري في غوطتي دمشق، والجدال الواسع الحاصل في
المجتمع الدولي حول توجيه ضربة عسكرية “للنظام” برز جدال من نوع آخر في
مستوى آخر، وعبر وسائل إعلام عربية، من هنا وهناك، هذا الجدال يسلط الضوء على
مفردتين لطالما استخدمهما النظام أداة للتمييز بين موال ومعارض، وهما الوطنية
والخيانة، فالوطنية وكما هو معروف بالنسبة للجميع تعني من وجهة نظر النظام أن يكون
المواطن مطيعاً حتى أقصى درجة للرئيس، ولحزبه، وأجهزة مخابراته، والخائن هو كل شخص
لا يوافق على ذلك.

المهم هنا هو انتقال
هذه النغمة المقيتة إلى فضائيات “بلاد العرب” لتعزف بطريقة سمجة على وتر
الوطنية الرخيص، دون أن تلتفت تلك القنوات لمقتل قرابة مئة وخمسين ألف سوري على يد
قوات النظام، وتدمير مليوني منزل في سوريا، وتشريد قرابة سبعة ملايين سوري داخلياً
وخارجياً، وهي نفسها الدول التي تشتكي ليلاً نهاراً من عبء اللاجئين السوريين
الذين دخلوا أراضيها وعكروا صفوها وأمنها، وحولوها من سويسرات حديثة إلى بلاد
متخلفة تشبه “سوريا” إلى حد كبير. بعض هذه القنوات قادت حملة تحريض
منظّمة ضد السوريين، فهددت وتوعدت، وتسبب “إعلاميوها” بفرار آلاف
اللاجئين إلى بلدان أخرى، خوفاً من “قتلهم” “وحرق بيوتهم”.

ولزيادة نغمة
“الوطنية” التي تفتقت عند هؤلاء فجأة فقد نفضوا الغبار عن بعض
“دعاة القومية” الذين كان يطلق عليهم حتى وقت قريب تسمية أرامل صدام،
والقذافي، فعادوا للواجهة مرة أخرى ليعطوا دروساً، ليست مجانية، في الوطنية،
وضرورة حشد الجماهير العربية للتصدي للهجمة الاستعمارية الجديدة بقيادة الولايات
المتحدة الأميركية، ضد آخر معاقل القومية والعروبة، المقصود هنا “نظام
الأسد” طبعاً، ولا علاقة لسوريا أو شعبها بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد،
فسوريا وشعبها ذبحوا ويذبحون وسط صمت عربي شعبي غريب، فعواصم الثورات العربية
اكتفت بالتنديد والوعيد والاستنكار، فيما تحولت الحالة السورية إلى خبر باهت في
بعض نشرات الأخبار، يكفي أن تهز الرأس استنكاراً وتحوقل مرتين، ثم تشتم الأسد
مرتين وتواصل حياتك العادية.

ولعل الأكثر غرابة أن
يطل عليك من لم يزر سوريا مرة واحدة إلا لمقابلة بشار الأسد أو أبيه من قبله،
ليعطيك درساً تلفزيونياً مطولاً في معنى الانتماء، وفي كيفية صيانة الوطن، ثم
ليعلن دون خجل أنه مستعد للذهاب والتطوع في جيش بشار ليدافع عن سوريا في وجه
الاستعمار.

السوريون لم يقصفوا
أنفسهم بالكيماوي، هذه الحقيقة نسيها هؤلاء جميعاً، السوريون ليسوا سعداء بتدمير
بيوتهم التي أفنوا حيواتهم كي يبنوها، وليسوا سعداء في رحلة تشرد تقودهم بين بلدان
وبلدان بحثاً عن موضع آمن يسترون به أعراضهم خوفاً من أن تعتقل فتاة في طريقها إلى
الجامعة وتطل عبر فضائية النظام لتعترف بأنها أميرة في تنظيم القاعدة منذ كانت في
الثالثة عشر من عمرها، هي حقائق يغفلها المرتزقة في سعيهم الحثيث لتأكيد وطنيتهم،
وتبعيتهم وعبادتهم للشخص على حساب الشعب، الخيانة أن يترك الأطفال في سوريا يقتلون
بدم بارد، وتعرض الفضائيات صورهم باعتبارها سبقاً صحفياً، تم تنساهم حين يلتهم
حاكم عربي حبة خوخ زائدة عن حاجته ويصاب بالتخمة.

السوريون ليسوا سعداء
وهم يرون حاملات الطائرات، عبر الشاشات، تجوب بحرهم، ولن يكونوا سعداء حين تنهال
القذائف على دمشقهم ولاذقيتهم وحمصهم وحلبهم وديرهم وإدلبهم ودرعاهم، لكنهم لم
يكونوا سعداء كذلك حين قصفت طائرات إسرائيلية مواقع في عمق سوريتهم دون أن يحرك
نظام الأسد ساكناً، وهم لم يهللوا حين دكت صواريخ إسرائيلية مواقع عسكرية على قمة
قاسيون أو في اللاذقية، ودعكم من فبركات إعلام النظام وتفاهاته فهي لا ترقى إلى
مستوى التصديق، أو التعليق.

السوريون لن يرقصوا
طرباً، هذه حقيقتهم، لكنهم سيهرعون راكضين كي يعودوا إلى سورياهم حين يسقط الطاغية
وعصابته عن صدر بلدهم، لا تتاجروا علينا بالوطنيات التلفزيونية، ولا بالمقالات
الغبية أو القصائد العمودية السخيفة، لا تعطوا السوريين دروساً في الوطنية، وفي كيفية
حب الوطن، عليكم أولاً أن تستطيعوا التفريق بين الوطن والنظام، وأن تسقطوا الحاكم
الضرورة من مخيلاتكم المريضة السقيمة، وأن تتخلوا عن ثقافة العبيد التي جعلتكم
مربوطين بالحكام وتظنون أن الأوطان تفنى حين يتهاوى الديكتاتور ساقطاً.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *