الرئيسية / تحقيقات / دولة الخلافة .. سجون ومحاكم شرعية ظالمة تطلق يد الجناة على البشر

دولة الخلافة .. سجون ومحاكم شرعية ظالمة تطلق يد الجناة على البشر

أستطاع تنظيم الدولة الإسلامية عبر ماكينته الإعلامية أن ينفذ إلى عقول الشباب، الذين عانوا الأمرين من قمع السلطات الأمنية في بلدانهم، وقتل ذويهم لاعتبارات طائفية لا سيما في سوريا والعراق، حيث انضم الكثير من الشباب إلى صفوفه لمحاربة الظلم الذي حاق بهم من قبل النظامين السوري والعراقي، إلا أنه سرعان ما أنقلب السحر على الساحر وأصبح التنظيم وبالاً عليهم، بعد أن توسع في منطقة الجزيرة السورية وتحديداً في محافظتي الرقة ودير الزور، وأنشأ محاكمه الشرعية في عاصمة دولة الخلافة المزعومة في مدينة الرقة، وعين قضاة غير أكفاء سرعان ما أطلقوا أحكامهم التعسفية بحق المدنيين، لتمتلئ السجون بالمعتقلين الذين تعرضوا لانتهاكات كبيرة. كما توسعت قبضة التنظيم لتطال الإعلاميين خارج حدود سيطرته الجغرافية.

 

عدنان كدم   

 

استغل التنظيم الأوضاع السياسية في سوريا والعراق ووظفها لخدمة مصالحه. فبعد سقوط العراق عام 2003 بيد الاحتلال الأمريكي والبريطاني، وبداية تطبيق حكومة المالكي لسياساتها الطائفية، التي أدت إلى تهميش أهل “السنة” من أبناء العراق وإبعادهم عن مسرح الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى قمع نظام الأسد لأبناء العرب “السنة” بطريقة وحشية بإيعاز من إيران، استغلت قيادات التنظيم هذه الممارسات ليتم توظيفها لصالح مآربهم الخاصة، ولينجحوا في استمالة أكبر عدد من الشباب في سورية والعراق.

 

المحلل السياسي علي الأحمد يوضح ما حصل قائلاً: “حاولت قيادات التنظيم استغلال هذا الشرخ بين مكونات الشعبين السوري والعراقي، فقام التنظيم بجذب الشباب المسلم للانضمام إليه، وتكوين رأي عام مناصر لفكره على أنه حامي أهل السنة والجماعة، والمقاوم الوحيد للاحتلال الإيراني للأرض العربية، وليعلن الجهاد المقدس، ويرفع شعار “الجهاد ضد الظلم”، حيث انضم إليه “الجهاديون” من كل البلاد الإسلامية وغير الإسلامية”.

 

ولفت الأحمد بقوله: “توسع التنظيم أكثر وأصبح له تأثير واضح في العراق وسوريا على يد زعيمه أبو بكر البغدادي، ليستغل فرصة الحرب التي يشنها نظام الأسد على أهل السنة، وليعلن ادعاءه مناصرة الشعب السوري في ثورته ضد نظام الأسد. وساهم إعلان الخلافة بشكل كبير في جذب الشباب للجهاد، خاصة بعد المذابح الرهيبة التي اقترفها نظاما الأسد والمالكي بحق أهل السنة في سوريا والعراق”.

 

ثقافة الإرهاب

 

لا يزال التنظيم يقوم بحملة اعتقالات واسعة طالت العديد من الشبان في مدينة الرقة معقل خلافته المزعومة، دون توجيه أية تهم ضدهم أو وجود أسباب مباشرة للاعتقال. وقد أدت هذه الاعتقالات العشوائية إلى اكتظاظ السجون بالمعتقلين، لاسيما في النقطة الأمنية الأخطر التابعة للتنظيم والمعروفة باسم النقطة “11”.

 

وقد أشارت حملة “الرقة تذبح بصمت” إلى أن “التنظيم أرتكب العديد من الانتهاكات بحق أبناء مدينة الرقة ترتقي إلى مستوى جرائم حرب بحق الإنسانية، لا سيما بحق أبناء المناطق التي يسيطر عليها، ليمارس شتى أنواع الجرائم، علناً ودون حساب. بل على عكس ذلك، فهو يسعى لنشر ثقافة الإرهاب حول العالم، معتزاً بها كونها أحد أهم الأسباب التي مكّنت حكمه، فخصص لها شقاً قويّاً من إعلامه، يعمل على تقديمها بكلّ اللغات والطرق، من قطع الرؤوس والأطراف والجَلد والرّمي من شاهق، جميعها طُبِّقت أمام الكاميرات وبُثَّت للعالم لتعكس حقيقة الوضع تحت سيطرته، إلا أنّ الوضع داخل معتقلاته يسوء يوماً بعد يوم، بحسب شهادة معتقلين أفرج عنهم، وآخرين استطاعوا الهرب من سجونه”.

 

شهود عيان من سجون التنظيم: هناك نسوة يجلدن حتى الموت، ونشطاء يتعرضون للصلب وتقطيع الأطراف والصعق بالكهرباء والتعليق من اليدين

 

يقول أحد الشهود، والذي طلب عدم ذكر اسمه: “أذكر ذلك اليوم جيداً. أربعة شهور مضت على الحادثة ولاتزال التفاصيل راسخة في ذهني. في البداية سمعت عدة انفجارات بسبب غارات طائرات التحالف، ثم أصيب السجن الذي كنت فيه وملأ الغبار المكان، وكانت الرؤية صعبة جداً، وارتبك عناصر التنظيم، فحاول البعض منا استغلال الوضع للهرب من السجن، وركضنا للخارج”.

 

ويضيف الشاهد: “رأينا الفظائع داخل السجن، حيث مارس التنظيم انتهاكات خطيرة بحق المعتقلين، دون التمييز بين مسن وامرأة أو حتى طفل. رأينا نساء من التنظيم تجلد نسوة كثيرات حتى الموت بحجة عدم ارتدائهن النقاب في الأماكن العامة، كما رأينا شيوخا مسنين يُضربون بعنف لعدم ذهابهم إلى صلاة الفجر. أما بالنسبة للبالغين، فكانت تُطبق بحقهم أبشع العقوبات، تحت ذرائع واهية كالتدخين وسب الذات الإلهية والعمالة والتخابر لصالح بلاد الكفر. أما بالنسبة للمعتقلين من النشطاء وعناصر الجيش الحر، فكانت تطبق بحقهم عقوبة الصلب وتقطيع الأطراف والصعق بالكهرباء، ووضعهم في أقفاص وتركهم معلقين من اليدين”.

 

اعتقال للكهنة

 

لم يسلم الكهنة المؤيدون للثورة السورية من بطش التنظيم، لا سيما الكاهن باولو دالوليو، حيث تم اعتقاله ووضعه في سجن الأوزبك السري، ولا أحد يعرف عنه حالياً إن كان حياً أو ميتاً. وهذا يفند رواية اعتقال التنظيم كل من يؤيد الثورة السورية، باعتبار الثورة السورية تعارض فكراً وإيديولوجيةً دولة الخلافة التي يسعى التنظيم لترسيخها في العراق والشام.

 

وقد ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان في 20 تشرين أول من العام الحالي، أن “قياديا منشقا عن التنظيم، سوري الجنسية، قد أبلغ المرصد أن الكاهن الإيطالي باولو دالوليو، لا يزال على قيد الحياة، عقب اختفائه منذ الـ 29 من تموز في عام 2013، لدى ذهابه إلى مقر التنظيم، والواقع في مبنى محافظة الرقة لمقابلة أحد أمراء التنظيم هناك”.

 

قيادي منشق عن داعش: “الأب باولو على قيد الحياة، وهو محتجز في سجن تشرف عليه الكتيبة المعروفة باسم “الكتيبة الأوزبكية”، وهو موجودة غرب مدينة الطبقة بريف الرقة الغربي”.

 

وأوضح القيادي الذي يعد من قيادات الصف الثاني في التنظيم، قائلاً: “شاهدت الأب باولو بشكل شخصي أثناء مهمة لي في سجن الكتيبة الأوزبكية بالطبقة، قبل انشقاقي عن التنظيم في مطلع أيلول من العام المذكور لأسباب عقائدية وشرعية”.

 

استهداف للقضاة

 

سعت قوات التحالف الدولي إلى استهداف قيادة التنظيم عبر طائرات من دون طيار، لشل حركته وإرباكه، فقد أكد ناشطو حملة “الرقة تذبح بصمت” أنه “منذ بضعة أيام تم استهداف بناء المحكمة الإسلامية في مدينة الرقة (بناء المالية سابقاً)، بثلاثة صواريخ من طائرة بلا طيار، أطلقها طيران التحالف ضمن خطة تكتيكية. حيث أدى الصاروخ الأول إلى خروج القضاة من الملاجئ في أقبية بناء المالية، وعند محاولتهم الهرب بسياراتهم أتاهم الصاروخان الثاني والثالث، ما أدى إلى مقتل خمسة منهم وإصابة سادسهم إصابة بالغة أدت إلى كسر في قدميه”.

 

وأوضح ناشطون أنه “نتيجة الاستهداف المتكرر تم توزيع المحكمة فيما بعد على عدة دوائر ضمن الأبنية السكنية في مدينة الرقة، حيث خُصص قسم في بناء غربي بناء “الجميلي”، وقسم آخر في بناء شمال صيدلية الخضر، ومازال هنالك قاض واحد فقط يدعى “أبو مالك”، سعودي الجنسية، وهو يدير حاليا أمور المحكمة”.

 

محاكم شرعية

 

صدر تقرير عن الأمم المتحدة بداية العام الحالي يتهم التنظيم بإنشاء “محاكم شرعية” في الأراضي الواقعة تحت سيطرته، كما يتهمه بتنفيذ عقوبات وصفها التقرير بـ”القاسية وغير الإنسانية”، ضد الرجال والنساء والأطفال. وأشار التقرير إلى أن التهديد الأكبر يطال النساء المثقفات، وخاصة المتعلمات والمهنيات.

 

ماهر أحمد، أحد أعضاء حملة “صرخة من الرقة”، وفي تقرير أعدته الحملة، أوضح أنه التقى بمحام عامل في المحاكم السورية في الرقة قبل دخول التنظيم للمدينة، وهو الآن حبيس بيته. وتحدث المحامي، الذي نتحفظ على اسمه لأسباب أمنية، عن نشوء المحاكم الشرعية التابعة للتنظيم قائلا: “بداية قام التنظيم بإنشاء محكمة المنصورة غرب الرقة على بعد 30 كم، وقد ترأسها القاضي أبو علي الكرامة، والذي عرف بقسوة أحكامه، وكانت المحكمة الوحيدة التابعة للتنظيم في محافظة الرقة”.

 

بعد سيطرته التامة على الرقة، قام التنظيم باستبدال القضاة السوريين بقضاة من العراق والخليج العربي وتونس، في أغلب محاكمه في المحافظة.

 

وأضاف المحامي قائلاً: “قبل سيطرة التنظيم الكاملة على الرقة، أسس الثوار “الهيئة الشرعية”، ومهمتها قضائية بحتة، وتتمثل فيها كافة فصائل الثوار، ما عدا التنظيم الذي انعزل بمحكمته، والتي كان قاضيها أبو علي. هذا الوضع لم يدم طويلاً فسرعان ما أقدم التنظيم على طرد الثوار من الرقة، لتبدأ مرحلة حكم القضاء الأوحد له. وتشكلت المحكمة الشرعية من عدة قضاة، فكان رئيس المحكمة مصري الجنسية وهو قاضي القضاة. وضمّت المحكمة أيضاً قضاة حكم، أبرزهم أبو حمزة الكرامة من “ناحية الكرامة”، والذي لم يكن يحمل أي مؤهل قانوني يخوله لشغل منصب القضاء، فقد كان يحمل شهادة ثانوية، وقد كان مسؤولا عن المعاملات بما فيها الجرائم. أما “أبو عبدالله” من مدينة الرقة، فكان يحمل إجازة في الشريعة من جامعة دمشق، وهو مختص بأمور العقارات والأحوال الشخصية”. وتابع قائلا: “فيما بعد تم استبدال القضاة السوريين بقضاة من العراق والخليج العربي وتونس، لدى أغلب محاكم التنظيم في محافظة الرقة”.

 

ونوه المحامي أنه “حتى قضاة التنظيم لم يسلموا من بطشه، فقد كان كل من أبو حمزة وأبو عبد الله من تلامذة القاضي أبو علي الشرعي (الكرامة)، الذي تحول بعد أن كفت يده من القضاء إلى داعية في سجون التنظيم، إلا انه تم فيما بعد كف يد القاضيين “أبو حمزة وأبو عبدالله” قبل عدة أشهر، وتم اعتقال أبو عبدالله بعد مدة شهر تقريباً من كف يده، ثم قام التنظيم بقطع رأسه في الرقة بحجة الردة”.

 

إسكات للأصوات

 

منذ انطلاقة الثورة، كان أكثر ما يخيف النظام هي الكاميرا والكلمة الحرة، فسعى جاهداً للاقتصاص بشتى الوسائل من كل شخص إعلامي أو صحفي أو ناشط على الأرض، وهذا بالضبط ما قام به التنظيم منذ دخوله المناطق التي سيطر عليها في المنطقة الشرقية من سوريا، فعمد هو الآخر إلى إسكات الأصوات وملاحقتها، وكان الإعلاميون في مقدمة من استهدفهم داعش.

 

هذا ما أكده لـ”صدى الشام”، الإعلامي أحمد زكريا بقوله: “قام التنظيم باعتقال الصحفيين وتعذيبهم، ومنهم من تم قتلهم في السجون، كما أن مصير العديد منهم ما زال مجهولاً، كالإعلامي عبيدة بطل وغيره من الناشطين الإعلاميين في تلك المناطق التي سيطر عليها التنظيم”.

 

وتابع زكريا قائلاً: “يوجد شهود عيان ممن خرجوا أحيانا من سجون التنظيم، رأوا بأم أعينهم فظاعة ما يقوم به التنظيم، وتحدثوا عن هول التعذيب المتبع في السجون. وقد أكد هؤلاء أن الأساليب المتبعة هناك لا تختلف شيئاً عما كان يقوم به سجانو النظام، كاتباعهم طريقة “الشبح”، ناهيك عن استخدام الكهرباء في التعذيب والانتهاكات الجسدية والنفسية التي تمارس بحق السجناء”.

 

تدل التفاصيل المسربة من سجون التنظيم على أن المحققين هناك، في معظمهم، ضباط انشقوا عن النظام الأسدي أو تظاهروا بالانشقاق، فاحتواهم التنظيم لديه ليمارسوا هذه الأساليب التعذيبية”.

 

 

ويضيف زكريا: “أن دل هذا الأمر على شيء فإنما يدل على أن طرق التعذيب التي يتبعها التنظيم هي نسخة طبق الأصل عن أساليب النظام. ومن خلال ذلك قد نستنتج أن المحققين في سجون التنظيم هم في معظمهم، ضباط انشقوا عن النظام الأسدي أو تظاهروا بالانشقاق، فاحتواهم التنظيم لديه ليمارسوا هذه الأساليب التعذيبية”.

 

خارج حدوده

 

حاول التنظيم إرسال خلاياه النائمة خارج مناطق سيطرته، ليستهدف كلمة الحق التي تخرج من أفواه معارضيه الإعلاميين، الذين يكشفون للعالم هول وفظاعة ممارساته التعسفية بحق البشرية جمعاء.

 

وقد ضرب الإعلامي أحمد زكريا مثالاً حياً عن التهديدات التي طالت الإعلاميين خارج سوريا قائلاً: “لم يكتف التنظيم باستهداف الإعلاميين في الداخل، بل طالت مخالبه الإجرامية الإعلاميين في الخارج، والذين يعتبرهم خطراً حقيقياً يتوجب التخلص منه، كونهم يفضحون انتهاكاته التي يقوم بها بحق عامة الناس”.

 

وتابع حديثه قائلاً: “هذا ما حصل معي شخصياً لدى عودتي من مؤتمر جنيف2، فقد تفاجأت بنشر التنظيم لاسمي على أنني من المطلوبين للقصاص بحد السيف. لم أعط للأمر أي اهتمام، لكن بات الخوف يلاحقني من مكان لآخر، وبعد مضي عدة أشهر من عودتي لجنيف، أيضاً كان هناك نشر لصورتي على حساب المدعو السيف المسلول، الذي تبين من خلال بروفايله أنه تابع للتنظيم، وتم نشر صورتي مرفقة بعبارات تتهمني بأني مرتد وعميل للخونة، حسب تعبيرهم. هذا الأمر شكل هاجساً كبيراً لدي، وبدأت التفكير بشكل جدي بطلب الحماية من السلطات التركية”.

 

وختم زكريا حديثه قائلاً: “تزامن هذا التهديد مع حادثة قتل النشطاء الإعلاميين من حملة الرقة تذبح بصمت، حيث تم نحرهم بطريقة وحشية في منزلهم الكائن في مدينة أورفة التركية. اليوم، في ظل كل الانتهاكات بحق الإعلاميين، نطالب كافة المنظمات الدولية والحقوقية التي تعنى بحماية الصحفيين، بإجراء ما يلزم، وتقديم كل الحماية للإعلاميين المهددين من قبل التنظيم، كونهم العين الرقيبة وصوت الحق والكلمة الحرة التي تعكس مطالب الناس ومعاناتهم”.

 

 

 

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *