الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / خفايا فيينا المؤجلة

خفايا فيينا المؤجلة

د.بشار الأحمد

 

بعيداً عن النظرات المتفائلة بمؤتمر فيينا، التي ترى فيه مقدمة لحل سياسي ينهي معاناة السوريين في أعقد أزمات “الشرق الأوسط”، وبعيداً عن نظرات التشاؤم التي لا ترى في فيينا سوى مضيعة للوقت، يبقى هذا المؤتمر وحسب رؤية العديد من المراقبين، أكبر من مجرد تسوية سياسية للقضية السورية ليتجاوز بتأثيره ومآلاته حدود سورية الجغرافية الضيقة، لتمتد هذه التأثيرات لتشمل إعادة ترتيب خريطة “الشرق الأوسط” من جديد، حسب مصالح القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في المنطقة.

 

فلو عدنا إلى اتفاق فيينا حيث توافق المجتمعون في فيينا على نقاط تسع، اعتبروها نوعاً من إطار مبادئ، يعني قبوله من الطرفين السوريين المتصارعين تأسيس أرضية مشتركة بينهما، يمهد تطبيقها لإيجاد أجواء من الثقة، يستحيل تفاهمهما على الحل بدونها، حيث شملت بنود الاتفاق والتي تشمل إعادة تشكيل الجيش والأمن ومحاربة الإرهاب والقوى المعارضة للحلّ السياسي من قبل مختلف الدول الموقعة على الاتفاق، والتحضير لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تقرّر مسار العملية السياسية المقبلة للبلاد بمشاركة جميع القوى والمكوّنات السورية وتشكيل لجنة وطنية للمصالحة الوطنية، ولجنة وطنية من المختصين لإعادة كتابة الدستور وإعلان الانتخابات، وقرأناها بنداً بنداً، لوجدنا أن محادثات فيينا كغيرها من المحادثات والمؤتمرات، كانت تدور حول شكل وتشكيل النظام في دمشق كأولوية على موعد رحيل بشار الأسد أو كيفية مغادرته.

 

ومن جهة أخرى يمكن القول أن ما جاء من بنود تم الاتفاق عليها تسحب الحل من يد السوريين وتضعه في يد مجموعة من القوى الإقليمية والدولية، باعتبار أن ما يحصل في سورية أصبح شأناً إقليمياً ودولياً. ويُرجّح أن ينتج هذا الحلّ، إن جرى التوصّل إليه، من توافق إرادات بين المحورين اللذين تكرّس وجودهما في الاجتماع، ويضم المحور الأول السعودية وتركيا وقطر، ويصرّ على وثيقة (جنيف 1) إطاراً وحيداً للحل، وعلى تسوية عادلة تفضي إلى هيئة أو إدارة انتقالية تقصي الأسد من المشهد السياسي، ومن مستقبل سورية، وتبدأ بإعادة الإعمار. في حين يضم المحور الثاني كلاً من روسيا وإيران، ويقترح وقفاً لإطلاق النار، ومفاوضات تفضي إلى حكومة تضم النظام وشخصيات معارضة تتولى إجراء انتخابات برلمانية، وأخرى رئاسية تضمن للأسد الترشّح فيها.

 

إن الاختلاف على مصير الأسد بين المحورين الإقليميين الرئيسيين، ليس اختلافاً على شخص بشار الأسد بذاته، بل هو اختلاف على المصالح باعتبار أن المصلحة هي المحرك الأساسي في العلاقات الدولية.

 

وبالتالي من خلال هذين الرأيين أو المحورين تظهر الهوّة الواسعة بين الفريقين، والتي توضح أن الاختلاف على مصير الأسد بين هذين المحورين، ليس اختلافاً على شخص بشار الأسد بذاته وليس اختلافاً على مصير بطانته المقربة منه كما تظهر بعض التصريحات والتحليلات،         ولكن يمكن القول أن الاختلاف الأساسي بين هؤلاء هو اختلاف على المصالح باعتبار أن المصلحة هي المحرك الأساسي في العلاقات الدولية، وهو ما يجعل كل طرف يقف وراء هذا الخيار أو ذاك في موضوع الفترة الانتقالية وزمنها، فروسيا وإيران تريدان أن يبقى الأسد خلال الستة أشهر الأولى من المرحلة الانتقالية، بينما ترفض هذا الخيار الجهات الأخرى، لكنها تقبل ببقائه لستة أشهر تمهيدية للمرحلة الانتقالية.

 

نقطة أخرى غاية في الأهمية وهي أن فيينا اعتبرت وثيقة (جنيف 1) كمرجعية للتفاوض، وتالياً للحل السياسي، إلا أنها لم تورد تصريحاً أو تلميحاً، مما يشير إلى أن هيئة الحكم الانتقالية هي مجرد أداة يبدأ الحل بتراضي الطرفين على تشكيلها، ومهمتها تحدد بنقل سورية إلى الديمقراطية بضمانة الدول الخمس دائمة العضوية. يضاف إلى ذلك قضية تصنيف الفصائل العسكرية وفرزها، والتي ستؤدي إلى انقسامات، فحالما يبدأ إيقاف إطلاق النار، ستتركز النيران على المجموعات غير المشمولة بالاتفاقية، وبالتالي، تشكل هذه القضية حساسية كبيرة لكل الفصائل العسكرية على الأرض، وتعدّ هذه القضية، وقضية امتلاك أكثر من 200 ألف سوري للسلاح، ووجود جهاديين غير سوريين، من أخطر القضايا التي ستواجه المرحلة الانتقالية.

 

تعدّ قضية تصنيف الفصائل العسكرية وفرزها، وقضية امتلاك أكثر من 200 ألف سوري للسلاح، ووجود جهاديين غير سوريين، من أخطر القضايا التي ستواجه المرحلة الانتقالية.

 

وعليه فحسب الرؤية الراسخة حالياً لدى العديد من الباحثين والمفكرين والمهتمين بالوضع السوري، فإن قراءة التطورات على الساحة السورية ستحصر الحل بين رأيين، رأي يؤكد على مرحلة انتقالية مختصرة في حدودها الدنيا ستة أشهر، كما اقترح الأتراك والسعوديون، ويأخذ بهذا الرأي الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية أيضاً، في حين يصر الرأي الثاني على وجوب وجود عملية سياسية تؤدي إلى حل سياسي متكامل يتضمن وقف الأعمال القتالية وتشكيل حكومة وحدة وطنية جدية، يليها إجراء انتخابات نيابية مبكرة، ومن ثم انتخابات رئاسية، جوهرها إعادة الاحتكام إلى الشعب على أن تكون هذه وتلك بإشراف الأمم المتحدة، وهذا ما يقول به الروس والإيرانيون الذين يتحدثون عن برنامج زمني للحل يتراوح بين سنة ونص – سنتين وذلك بناء على التقديرات الروسية والإيرانية التي تتحدث عن هذه الفترة للقضاء على الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وغيرها من المنظمات التي تعتبرها روسيا وإيران إرهابية ويجب القضاء عليها.

 

بالمحصلة يمكن القول أنه صحيح أن سورية كانت عنوان اجتماع فيينا، لكن الطريق إلى التسوية السياسية ما زال طويلاً وهناك حاجة إلى بناء الثقة بين جميع الأطراف المعنية بمستقبل سورية ومستقبل الأدوار الدولية في “الشرق الأوسط”، الذي تُرسَم معالمه الجديدة. فاجتماع فيينا قد يفضي إلى جديد نوعيّ في المسيرة السورية، وقد ينتهي بخيبة أمل في ظل وجود عدد من العقد الرئيسية، أهمها مصير رئيس النظام بشار الأسد والمرحلة الانتقالية وتصنيف الفصائل العسكرية.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *