الرئيسية / رأي / التحالف الدولي الموسع.. ضرورة قبل تصويت الكونغرس

التحالف الدولي الموسع.. ضرورة قبل تصويت الكونغرس

حمزة المصطفى

بعد مجزرة الكيماوي في
غوطتي دمشق 21 آب/ أغسطس 2013، وارتفاع النبرة التصعيدية الغربية ضد النظام
السوري، لاسيما من قبل الإدارة الأميركية، توقع كثيرون في ظل قرع طبول الحرب أنذاك
أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية بتوجيه ضربة عسكريّة سريعة ضد النظام، بحيث
تكون عقابيّة ومحدودة النطاق لا تهدف إلى إسقاطه، أو تغيير موازين القوى على
الأرض. وفي الحقيقة بنيت هذه التوقعات على مؤشرات واتجاهات قويّة تدفع باتجاه
تنفيذ هذه الضربة سريعًا، في ضوء الإحراج الذي وقع به الرئيس الأميركي باراك
أوباما بسبب الهجوم الكيماوي، وتأثر مصداقية الولايات المتحدة، ومكانتها كقوة
رائدة تتحكم أو تلعب دورًا هامًا في مخرجات السياسية الدولية على مستوى النظام
الدولي.

وبخلاف التوقعات السابقة، فاجئ الرئيس الأميركي
باراك أوباما العالم يوم السبت 31 أب/ أغسطس 2013، عندما ألقى بيانًا أعلن فيه عن
قراره بتوجيه ضربة للنظام السوري، وفي الوقت نفسه قرر الرجوع إلى الكونغرس
الأميركي، وطالب مصادقته على الضربة قبل الشروع في تنفيذها.

طرح قرار أوباما بالرجوع إلى الكونغرس الكثير من
التساؤلات عن مغزاه وضرورته، خاصة وأن الدستور الأميركي يخوله اتخاذ قرار الحرب
لمدة ستين يومًا دون الرجوع إلى الكونغرس. وقد رأى البعض أن قرار أوباما جاء
انسجامًا مع شخصيته المترددة والعاجزة عن اتخاذ إجراءات عمليّة، وبالتالي فإن
الرجوع إلى الكونغرس قد يشكل مخرجًا له من الإحراج الذي وضع نفسه فيه بعد
تحذيراته، وخطوطه الحمراء كونه يستطيع التذرع برفض الكونغرس الموافقة على الضربة
إذا ما جاء التصويت سلبيًا، وهو احتمال قائم.

على الرغم من وجاهة الطرح
السابق، لكنه لا يقدم تفسيرًا منطقيًا كاملاً لقرار أوباما. وفي اعتقادنا أن قرار
الرجوع إلى الكونغرس كان أحد أهدافه، إن لم نقل هدفه الرئيس هو توفير الوقت الكافي
واللازم لإيجاد تحالف دولي عسكري واسع يشارك في الضربة، أو يؤيدها على الأقل، وهذا
ما سنحاول شرحه في هذا المقال.

بعد مجزرة الكيماويّ، كانت
فرنسا أكثر الدول المتحمسة لاستخدام القوة ضد النظام، حتى لو اقتضى الأمر تجاوز
مجلس الأمن، تبعتها بريطانيًا التي طالبت بتشكيل تحالف ” الراغبين”
لتوجيه ضربة للنظام السوريّ. وفي سبيل تسريع وتفعيل الضربة طلب رئيس الوزراء البريطانيّ
ديفيد كاميرون من أعضاء مجلس العموم قطع إجازاتهم السنويّة لمناقشة التطورات في
سورية والتصويت لصالح قرار يجيز للحكومة المشاركة في الضربة المحتملة.

كان قرار مجلس العموم
بالتصويت ضد الضربة صادمًا لكاميرون، وللولايات المتحدة. لقد خرجت بريطانيا الحليف
الرئيس والدائم للولايات المتحدة من التحالف المصغر المزمع الإعلان عنه قبل شن
الضربة. أربك تصويت مجلس العموم حسابات أوباما لجهة مركزية وقوة ودور بريطانيا في
أي عمل محتمل، وأيضًا لجهة ازدياد معارضة الرأي العام الأميركي للضربة ضد النظام
السوريّ. فبعد تصويت مجلس العموم البريطاني ارتفعت نسبة المعارضين للتدخل العسكري
لدى الرأي العام الأميركي إلى 59 % مقابل تأييد 21 %، وهو ما دفع 140 عضوًا في
مجلس النواب ( من الحزبين الجمهوري، والديمقراطي) إلى التوقيع على عريضة تطالب
الرئيس الأميركي بالرجوع إلى الكونغرس، وأخذ موافقته قبل الضربة. الأمر الذي اضطر
أوباما إلى الأخذ بنصيحة نائبه جون بايدن ( المرشح المحتمل للحزب الديمقراطي في
الانتخابات الرئاسية 2016)، بالرجوع إلى الكونغرس، والعمل على ضمان موافقته قبل
الشروع في العمل العسكريّ.

بموازاة جهودها واتصالاتها
الداخلية لحشد أعضاء الكونغرس والرأي العام لتأييد الضربة، بدأت إدارة أوباما حركة
دبلوماسية نشطة لتأمين أوسع تحالف دولي مشارك أو مؤيد للعمل العسكري الرادع ضد
النظام. فعلى مستوى الجامعة العربيّة أجرت إدارة أوباما اتصالات بدول عربية خليجية
لتمرير بيان وقرار في مجلس الجامعة يؤيد اتخاذ إجراءات رادعة ضد النظام. وقد حصل
ذلك بالفعل عندما دعت المملكة العربية السعودية إلى تبكير اجتماع وزراء الخارجية
العرب، وعقده يوم الأحد 1 أيلول/ سبتمبر 2013. وبالفعل خرج الاجتماع بقرار حمل
النظام السوري المسؤولية الكاملة عن مجزرة الكيماوي، وطالب المجتمع الدولي باتخاذ
إجراءات رادعة. والجدير بالذكر أن السعودية ضغطت على القيادة المصرية الحالية
وأجبرتها على إزالة تحفظها على بند رفض التدخل العسكري الخارجي. كما عُقد على
المستوى العربيّ أيضًا اجتماع مجلس التعاون الخليجي في 7 أيلول/ سبتمبر 2013،
وطالب في بيانه الختامي بمعاقبة النظام وردعه عن استخدام السلاح الكيماوي.

كانت قمة العشرين التي عقدت
في سان بطرسبرغ/ روسيا 6 أيلول/ سبتمبر 2013 أكبر امتحان لإدارة أوباما في سلوكها
تجاه القضية السورية، بسبب وجود معارضة قوية لخطوته تتمثل في دول كبرى مثل روسيا
والصين، وأخرى صاعدة مثل الهند، والبرازيل، وأندونسيا. لكن الإدارة الأميركية نجحت
بصعوبة في تجاوز هذه المعارضة، حيث خرج على هامش قمة العشرين بيانًا لـ 12 دولة،
من المجموعة طالب برد قوي على النظام السوري لاستخدامه الكيماوي. وفي السياق ذاته
شارك وزير الخارجية الأميركي جون كيري في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي
الذي عقد في ليتوانيا 7 أيلول/ سبتمبر 2013، ونجح بحلحلة العقدة الألمانية
الإيطالية التي تربط أي تحرك عسكري بموافقة مجلس الأمن الدولي، وخرج الاجتماع
ببيان طالب برد قويّ ورادع، بعد أن اكد البيان على أن أدلة قوية تشير إلى مسؤولية
النظام وحده عن استخدام الكيماوي.

وقد أنهى جون كيري جولته
المكوكية بزيارة إلى باريس 7 ايلول/ سبتمبر 2013، تمخض عنها مجموعة من المعطيات التي
ستترك تأثيرها ليس على القضية السورية، بل على تحالفات الولايات المتحدة الأميركية
بشكل عام. ففي المؤتمر الصحفي الذي جمعه بوزير خارجية فرنسا لوران فابيوس خرج جون
كيري عن التقاليد الدبلوماسية المعروفة، وتكلم بداية مؤتمره الصحفي باللغة
الفرنسية موجها خطابه إلى الشعب الفرنسي مباشرة. استذكر كيري خلال كلمته التحالف
الأصيل الذي كان قائمًا إبان الحرب العالمية الثانية بين الولايات المتحدة وفرنسا
بقيادة الجنرال شارل ديغول، ولمح كيري إلى أن التحالف بين أميركا وفرنسا هو ”
التحالف الأقدم” والسابق على التحالف مع بريطانيا. من جهته اعتبر فابيوس أنه
في الأوضاع الصحيحة والأخلاقية تكون الولايات المتحدة وفرنسا في تحالف عسكري واحد،
ليشير إلى أن التحالف الدولي العسكري المزمع إقامته لا يشبه بأي حال من الأحوال
التحالف الذي حصل إبان حرب العراق، والتي رفضت فرنسا الانضمام إليه أنذاك، لعدم
وجود مبررات أخلاقية، وأدلة قوية على امتلاك النظام العراقي أسلحة الدمار الشامل.

بالمحصلة، يعتبر أوباما أن
إيجاد تحالف دولي على نطاق واسع خطوة ضرورية لإقناع المشرعين في الكونغرس، والرأي
العام الأميركي بضرورة دعم خطوته. ونحن ندعي أن أوباما لم يكن ليعلن عن كلمة سيوجهها
للشعب الأميركي يوم الثلاثاء 10 أيلول/ سبتمبر 2013، لولا نجاحه في حشد تأييد 12 دولة من مجموعة
العشرين إلى جانبه.. ونتوقع أن يركز أوباما في كلمته هذه على وقوف العالم بأغلبية
دوله ومنظماته إلى جانب بلاده في بعث
رسالة قوية ورادعة للنظام السوري. وسنجد أن بيان جامعة الدول العربية، ومجلس
التعاون الخليجي، والاتحاد الأوروبي، وقمة دول العشرين الداعمة لتوجيه ضربة عسكرية
للنظام ستكون مفردات أساسية في كلمته تلك التي سيحاول من خلالها إقناع الرأي العام
الأميركي بأن بلاده لن تكون وحيدة في هذه الحرب المحدودة، بل إلى جانب حلفائها
القدامى والجدد، وأبرزهم فرنسا في مواجهة الأزمة السورية والتي سيوصفها على أنها
” تهديد مباشر” للمصالح القومية للولايات المتحدة الأميركية.

باحث في المركز العربي
للأبحاث ودراسة السياسات

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *