محمد برو
كتب الرئيس الزائيري الأسبق موبوتو (كل شيء
يمكن شراؤه في بلدنا. في هذا المناخ يصبح من يملك مثقال ذرة من السلطة, مسخرا لها
لكسب المال والجاه. والمواطن الذي يطالب بمجرد احترام ابسط حقوقه, يصبح خاضعا
لضريبة خفية, تؤدى رسميا للشخصيات الرسمية. إلى درجة فقدان المجتمع طابعه السياسي,
ليتحول إلى سوق واسع للتجارة).
لقد عرفت منظمة الشفافية العالمية الفساد,
بأنه استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة .
وعرفه البنك الدولي, بأنه إساءة استخدام
الوظيفة العامة للكسب الخاص.
هذه الصورة شائعة في كل دول العالم, بنسب
تتلاءم وحجم الحرية, والشفافية المتاحة.
لكنها تتبدى بشكل صفيق ومشرع, في دول العالم الثالث أكثر من غيرها, حيث
تبدأ من الآليات المتخلفة في الوصول إلى السلطة, وبالتالي استخدامها. فتستحيل
المقدرات العامة إلى ممتلكات شخصية, وتوزع فيها الامتيازات واحتكارات الأعمال
الكبيرة, على النسق الأول في هذه السلطة.
وتأخذ ظاهرة الفساد في توليد تداعياتها,
التي تبدأ بالفقر, الذي يطال السواد الأعظم من الأفراد, ملغيا في سيرورته ما كان
يسمى بالطبقة الوسطى, فتتلاشى معها كل الأشياء المحورية, والجميلة, التي تطبع روح
الأمة, وتلزم لنهضتها, من ثقافة وقيم وأخلاق, وتوثب, ورأي عام, وسلام اجتماعي,
وإحساس بالأمان. ويصبح الفساد ظاهرة اجتماعية, عادية لا تستدعي الاستغراب, أو
الاعتراض, وفي الكثير من الأحيان يحظى بمباركة السلطة و رعايتها. وينحصر الاهتمام اليومي برغيف الخبز, والسلامة الفردية. وتتفشى
الجريمة, ويتطور الشعور المكبوت بالسخط, والتهميش, إلى حالة من العدوانية الشخصية,
تطبع سلوكيات الأفراد بشكل عام, فتصبح هذه المجتمعات تربة نموذجية, للأفكار
الانتقامية, والظلامية, والإرهابية .وقد لمسنا في العقدين الأخيرين, ظهورا حادا
لمتلازمة الفساد والفقر والإرهاب.
وفي تفشي هذه المتلازمة, التي أصبحت السمة
الأبرز. التي تطبع عالمنا, المتهالك نحو الهاوية اليوم, خير دليل على إفلاس
الأنظمة الحديثة, وفشلها في إرساء العدالة, بمفهومها الاجتماعي, والسياسي,
وإخفاقها في انجاز وعود التنمية, التي طالما حلمت الشعوب, بتحقيق الحد الأدنى
منها. مما أفسح الفرصة, لظهور نزعات عالية التطرف, كرد فعل انتقامي, يستهدف من كان
علة في هذا الإفلاس, محملا أمريكا, والأنظمة الغربية, بالدرجة الأولى, ومن يمشي في
ركبها تاليا, مسؤولية ما آلت إليه الأحوال.
وإلى فترة قريبة, كانت تأثيرات وتداعيات
الفساد, محصورة إلى حد كبير بالإطار الوطني, أو الإقليمي, وأحيانا في إطار
المدينة, إلا انه اليوم ونحن نعيش في قرية عولمية, لم تعد فيها اعتبارات المسافات,
أو الحدود ذات تأثير يذكر, بعد أن عملت ثورة الاتصالات, على تغيير الكثير من آليات
عبور المعلومات, وإنفاذها, بحيث اتسع فضاء الممكنات. لقد صار بإمكان فرد مستلق في
سريره, في حجرة ما, أن يعبث بكمبيوتره, أو محمولة, فيحرك أنشطة, وأرقاما وأفرادا,
هنا وهناك, في هذا العالم المترامي, وكثيرا ما يكون عصيا على المسائلة, أو الكشف.
وبالمقابل تفتقر الكثير من دول العالم الثالث, إلى الحد اللازم للشفافية, التي من
شأنها أن تعري مطاوي الفساد, الذي ينشط غالبا في الظل. لقد لعبت شبكة الانترنت,
دورا مهما, في إشاعة الشفافية, وتعرية الكثير من مظاهر الفساد, هنا وهناك ,لكنها
في عالمنا الثالث, ماتزال هذه الشبكة مبتسرة, ومهيضة الجناح, فالمواقع المحجوبة
أكثر بكثير من المواقع المتاحة،وهذا أيضا يندرج في آليات رعاية الفساد و إدارته.
إن الفساد اليوم, عولمي الطابع, والقدرات,
يتجاوز بتأثيراته, الحدود في سرعة, تقترب من سرعة الضوء, وينبغي أن نتعامل معه,
كما نتعامل مع الآفات الخطيرة, سريعة العدوى, كأنفلونزا الخنازير, والسيدا.
لقد أنتج حليب فاسد, في مصنع ما في أقصى آسيا,
فشرب منه ملايين الأطفال, في آسيا, وإفريقيا, وأمريكا اللاتينية ,وأودى بحياة
الكثيرين, وعندما افتضح أمره عبر الإعلام, تبارت مؤسسات الفساد, في عشرات الدول,
لتحمي المنتج, والمستورد, والبائع, ومختبرات الجمارك, المسؤولة عن فحص سلامة
العينات, وكثيرا ما تتكفل المقابر, بطي الملفات, ولفلفة الأمور.
إن ما نشهده اليوم, من عجز عالمي, لتطويق
ظاهرة الإرهاب الدولي, الذي أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية, الحرب عليه, بعيد
تفجيرات الحادي عشر من أيلول وصولا إلى القرصنة البحرية, التي تطلع علينا كل حين
بسفينة مختطفة, وبعشرات القتلى, ما هي إلا خير دليل, على انقلاب السحر على الساحر.
ولم يعد من المجدي, فقط شن الحروب, وتجييش الأجهزة الاستخباراتية العالمية, التي
غيرت بتجاوزاتها من طبيعة العالم, الذي وصلنا إليه عبر قرون من التطور, لتعيدنا
إلى عالم الأخ الأكبر, في رواية جورج اورويل (1984)
فعبر سنوات طويلة من تخليق الفساد,
ورعايته, وإدارته, تطور ليصبح حالة سائدة, تكتسي لبوس العرف العام, والقانون
الساري, الذي يتواطأ على إدارته, الضحية والجلاد, خوفا وطمعا. لدرجة لم يعد يجدي
معها, تغيير إدارة هنا, وإدارة هناك, أو سن قانون, أو استصدار قرار.
كتب كارل ماركس (إذا تواترت الجريمة بشكل
واسع, وغدت ظاهرة طبيعية, ينبغي التفكير بتغيير النظام, المنتج لهذه الجريمة, بدل
تدعيم النظام القضائي, لأنه سيكون مشبعا بالفساد)
ومما يلفت النظر, ويثير الدهشة, أن الفساد
مدان, و محارب, بكل الفلسفات, والأنظمة، والأديان, الأرضية منها, والسماوية, إلا
انه السيد الحاكم لكوكبنا التعيس, إنما بنسب, وآليات متباينة. إن الأزمة العالمية,
التي نعيشها اليوم, تتطلب إلى جانب العديد من المراجعات, وإعادة الهيكلة, إلى ثورة
تنموية عالمية, تعمل على تحقيق الحد الأدنى, لاستحقاقات المواطنة, في كل قرية, من
هذا العالم, سواء بالمتطلبات الأساسية للعيش, من صحة, و مسكن, وغذاء, وصولا إلى
المتطلبات الإنسانية, والسياسية, التي يمكننا اختزالها بالحرية, والشفافية, وسيادة
القانون, بالمعنى العريض, والمفصل, والتي تنجز من خلال تفعيل دور مؤسسات المجتمع
المدني, في حماية المواطن, من حكومته أولا. كل هذا يمكن أن يؤدي دورا فاعلا, في
محاصرة الفساد, والتخفيف من منجزاته الكارثية,
التي لا يسلم منها أي احد. إننا نعيش
اليوم, حسب تعبير توماس فريدمان, في عالم حار, ومسطح, ومزدحم.
“وغارق في الفساد”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث