الرئيسية / رأي / الفكر القومي العربي وخطر الخارج

الفكر القومي العربي وخطر الخارج

حازم نهار

يطرح
الفكر القومي التقليدي (البعث، الناصرية) دائماً وأبداً، وعلى الدوام، أهدافاً
سياسية ساخنة، على الرغم من أن الهزيمة تعشش منذ وقت بعيد، ومازالت، في العظام.
وينتظم هذا الفكر مسألتان، الأولى ضعف مستواه الحداثي، والثانية عقدة إهانة كبيرة
بسبب الهزائم المتكررة أمام الغرب وإسرائيل.

وتحت
تأثير عقدة الدونية والإهانة يتم
التأكيد على جدول
أعمال يدور أساسا ًحول القضايا القومية، وهو سلوك سهل لا يتطلب الكثير من التفكير،
يعتمد البحث عن العناصر القادرة على التعبئة والتحشيد والتجييش، ويكفي أن نقول
“لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” حتى تنتابنا مشاعر النصر ونصل إلى
السماء، ومن ثم لترمينا الحقائق الواقعية للهزيمة رمياً على الأرض، ويا ليتنا
نصحو، بل نعيد الكرَّة من جديد.

العجز الواقعي عن الفعل، والإهانة
المضمرة التي يشكلها لنا وجود هذا الكائن القوي، أي الغرب، يجري مجابهتها والتعويض
عنها بمواقف إنشائية كلامية، وبقدرات بلاغية هائلة، لاستنفار المخزون الروحي،
ولكنها للأسف لا تتضمن أي إمكانية للتجسيد على أرض الواقع، وكلما زاد العجز زاد
الإنشاء، وكلما كان حضور الخارج كثيفاً يجري التركيز على قضية الهوية والسيادة،
بمعنى تسخير كل شيء من أجل الحفاظ على الهوية والسيادة.

هذا
البعد القومي الطاغي والدائم الحضور، على الرغم من عمق الهزائم، يؤدي إلى تشوه عام
في الثقافة السياسية، إذ تصبح المهمة الأعلى والمقدسة هي الانتصار على الآخر أو
الخصم، وبالتالي إلقاء مهام إعادة البناء الداخلي، وما يرتبط به من استحقاقات
كحقوق الإنسان والديمقراطية إلى الهامش.

لقد
كان استمرار هذاالوعي القومي من الأسباب الأساسية لحالة الشلل على صعيد
البناء الداخلي، وطالما استمر هذا التشوه الفكري سيظل ينظر لثقافة حقوق الإنسان
والديمقراطية باعتبارها وسيلة لاختراق مجتمعاتنا، أو على الأقل تأجيلها لصالح
التعبئة والتجييش الضروريين لمعركة النصر ضد إسرائيل وأمريكا والغرب عموماً، في
الوقت الذي لم تحدث حالة تعبئة وتجييش طوال نصف القرن الماضي ضد أي انتهاك لحقوق
الإنسان في المنطقة العربية، ومن الأمثلة القريبة على ذلك نظاما صدام حسين والأسد
اللذين نالا كل التحشيد والتعبئة باسم أجندة العمل القومي الراهنة دائماً، في
الوقت الذي لم تحدث من قبل تيار “الأجندة القومية” أي حركة احتجاج ضد
انتهاكاتهما الفظيعة لحقوق الإنسان.

يقولون:
الهزائم تعلم الأمم، إلا أن تيار الأجندة القومية لا يتعلم، وهو مستعد لتكرار
الهزائم إلى مالا نهاية طالما بقيت مرتكزاته ومقولاته ثابتة لا يطالها أي تغيير،
فبعد أن ملأ هذا التيار الفضائيات العربية بتحليلاته وتوقعاته ووعيه الزائف
والمضلل بنهاية الأمريكان أو المغول الجدد على أسوار بغداد عام 2003، وبعد انكشاف
الهزيمة والسقوط السهل لبغداد، نام قرير العين على اعتبار أن خيانة كبرى قد حدثت،
ومن ثم تبرأ من صدام حسين، مع أن هذا الأخير لم يكن إلا تجسيداً فاقعاً لحركة
قومية تقليدية هشة وغير ديمقراطية ولا إنسانية، ولم يكن وحده مهزوماً بل التيار
القومي التقليدي برمته.

هذا
التيار اكتفى مثلاً عندما أعلن عن تشكيل مجلس الحكم الانتقالي في العراق بتوصيفه
بالعمالة والخيانة. وهذا توصيف سهل، لكن يبقى من الواجب أن نتأمل في الأسباب
والدوافع التي قادت ملايين العراقيين من اتجاهات سياسية عديدة للوقوف موضوعياً في
صف الأمريكان، إذ لا يمكن أن نختزل الموضوع بهذا التوصيف، ويجب أن نلتقط بجدية
الأسباب التي دفعتهم إلى هذا الموقف، والتي تكمن أساساً في أن الاستبداد الطويل قد
مَزَّقَ العراق وشوًّه تياراته السياسية، حتى لم يعد من السهل توصيف الوطنية
واللاوطنية استناداً إلى هذا الموقف. يصدق ذلك أيضاً اليوم على التيار القومي الذي
يقف مع نظام الأسد موضوعياً في ظل احتمالات تعرضه لضربة عسكرية أمريكية.

أوضح
ما يعبر عن هذا التيار هو رؤيته الهشة للصراع العربي – الإسرائيلي، والخطر الخارجي
الذي تمثله إسرائيل على العرب، خاصة عندما وضع هذا التيار “القضية
الفلسطينية”، ومازال، كقضية مركزية للعرب، وبالتالي تمحور وعيه ووعي الشارع
الشعبي حولها، على الرغم من أنه لم يقدم لها شيئاً سوى الإنشاء الكلامي. باعتقادنا
إن قضية العرب المركزية هي الديمقراطية وحقوق الإنسان، وما عداها، على أهميته،
سيجد مكانه اللائق عندما تعود للمواطن ثقته بذاته وبوطنه وبقضاياه القومية.

القضية
المركزية والمهمة الحارة هي إعادة البناء الداخلي على أسس الديمقراطية
وحقوقالإنسان، وهذا ليس إنكاراً لمشروعية العمل القومي، لكننا ندرك هذه
المهمة من منظور حقوق الإنسان والديمقراطية على اعتبار أن إنجازها رهن بتحديث
وإصلاح المجتمع والسياسة والثقافة في الأقطار العربية، أكثر مما هي مرهونة
بالوسائل العسكرية والتعبوية والتحشيد واستغلال العواطف القومية.

لقد
فضحت الأحداث السياسية خطاب الأمن القومي العربي الذي استخدم لتبرير قمع الحريات
العامة، لكن المؤسف هو أن المعارضات القومية عندما تطالب بالديمقراطية وحقوق
الإنسان، فإنما تؤكد عليها من أجل مواجهة الخطر الخارجي فحسب، وليس لأن أهل البلد
يستحقونها ويحتاجونها لإعادة احترام أنفسهم والثقة بذواتهم والتعبير عن إنسانيتهم،
بما يعني أنها تتحرك على أرضية ثقافية سياسية مشتركة مع السلطات القومية.

ما
يصدق على تيار الأجندة القومية، يصدق أيضاً على التيار اليساري الذي وضع
الاشتراكية كأجندة راهنة، لتكون في مواجهة الديمقراطية وحقوق الإنسان على مدى نصف
القرن الماضي من تاريخ المنطقة العربية.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *