الرئيسية / منوعات / ميديا / فضائيات / هذا جيش أبو شحاطة

هذا جيش أبو شحاطة

سعى النظام السوري
ومنذ بدء الثورة ضده إلى الدفع بكل إمكانياته لتحويل الثورة إلى صراع مسلح، ليس
لثقته بقدرة “جيشه” على كسب المعركة، ولكن لقناعته الراسخة أنه ليس
قادراً على اجتراح حلول سياسية كفيلة بامتصاص الثورة السلمية، فأخرج الجيش الفاشل
من ثكناته وزج به في مواجهة مباشرة مع أبناء بلده، كانت كفيلة بحدوث انشقاقات
كبرى، أرهقت كاهل تلك القوات، وخلقت نوعاً من التوازن المعنوي على الأقل بين جيش
حر يقاتل لأجل ثورة الشعب، وبين جيش “ليس حراً” يدافع عن بقاء بشار
الأسد على رأس السلطة، وعند هذه النقطة بالتحديد بدأ “العسكري” يبرز
منقذاً مخلصاً، وقادراً على اجتراح المعجزات، وإنقاذ مناصريه بذكائه الفطري
المتلخص في فوهة بندقيته، بل وحذائه العسكري، ملخصاً بالعبارات الكثيرة التي
يرددها مناصرو النظام عن موتهم فداء للبوط العسكري، ولعل هذا التغني اللا محدود
الذي يسبغه إعلام النظام على العسكري وهو يطل عبر سحابة دخان حاملاً علم النصر، لا
يعكس واقعاً يتلخص في أن هذا العسكري هو نفسه الذي صدئت بندقيته طيلة أربعين سنة،
واكتفى قادته بلعب دور الفاسد المفسد في الحياة الاجتماعية والسياسية، و باستعادة
رتيبة للانقلاب السبعيني البغيض الذي قاد العسكري “المهزوم” حافظ أسد في
حرب 1967 إلى قمة السلطة، يتم ترسيخ ولده الذي لم يسبق له أن خاض الحروب أو قاوم
الغزاة، بطلاً مغواراً تتكسر جيوش المحتلين أمام حنكته ودهائه التي تتلخص ببساطة
في توريط السوريين بحرب طائفية بغيضة، وفي أحسن الحالات استمرار هذا الصراع دموياً
لأطول مدة ممكنة، وخلال هذه المدة الممكنة ستكون العسكرة قد صارت واقعاً، ومع كل
انتصار “وهمي” كان يحققه ذلك الجيش كانت أسهمه ترتفع لدى مناصريه، وكذا
فإن الدعاية الإعلامية المعنوية تتطور باطراد محاولة إضفاء جو من الأسطرة السخيفة
على كل مقاتل يحمل بندقية، ولكي يكتمل المشهد فإن تصوير الشعب الثائر بصورة العدو
تستوجب نقل المعركة إلى مستوى أعلى فهي بدأت بمعركة مع “عصابات مسلحة”
مروراً “بتنظيمات إرهابية” وصولاً إلى حرب كونية تشنها ثلاثة أرباع دول
العالم على آخر “قلاع المقاومة والصمود” في العالم الحديث، ولكن دون
تقديم أية تفاصيل عن طبيعة تلك المقاومة وذلك الصمود، إذ يكفي ذكر هاتين المفردتين
التقليديتين لإيهام ذلك “المقاتل” أنه آخر محاربي الساموراي المحتملين،
ولإكسابه مزيداً من العنجهية، فإن تصويره وهو يتجول بين القرى والبلدات المدمرة،
وإرفاق عبارة “البواسل يحررون” كذا… تمنح ذلك المقاتل رضا عن النفس،
وهو يختال ضاحكاً من خلال إعلان تلفزيوني سمج تم إعداده بشكل عشوائي دون أي دراسة
أو تفكير، بل إن الاستعانة بموال أغنية ع هدير البوسطة بصوت فيروز يزيد من عبثية
الحالة، لكنه بالضرورة يؤدي غرضاً يفهمه ذلك الجندي وحده على ما يبدو.

وفيما تسجل الجبهة
الحقيقية هزائم متلاحقة لأولئك الجنود، ما دفعهم للاستعانة بمرتزقة من حزب الله
ومن الحرس الثوري الإيراني وبعض الميلشيات الطائفية العراقية، فإن الانتصارات
الوحيدة والبارزة هي في حجم الدمار الذي تخلفه الطائرات والصواريخ والأسلحة
الثقيلة من خلال قصفها بعيد الأمد الذي يطال المدنيين والأطفال والنساء، ولعل صور
حمص وحلب ودير الزور كفيلة بتلخيص معنى الانتصار وفق مفهوم ذلك المقاتل القاتل،
وقد تكون النعوش التي تحمل ليلاً لتسلم لذويها في القرى المترامية الأطراف، بل
والمقابر الجماعية التي عثر عليها الثوار لبعض أولئك الجنود القتلى تختصر المشهد
الذي لا يريد النظام أن تراه أعين مناصريه، الذين صاروا مقتنعين تماماً أن تدمير
بيوت السوريين هو جزء لا يتجزأ من التصدي لتلك الحرب الكونية، وأن أي طفل سوري
يقتل هو إنهاء لمشروع الشرق الأوسط الجديد، وتعطيل للمؤامرة.

ولأن الجندي يختصر
بحذائه، فلم يجد النظام بداً من أن يقيم نصباً لذلك الجندي، حذاء تم تنفيذه بشكل
رديء، هرع مسؤولو النظام للتصفيق له وأدى ثلاث جنرالات التحية العسكرية له، وتحول
ذلك النصب إلى معلم تاريخي يقصده عبدة البوط العسكري، يطوفون حوله، ويغنون له،
ويتراقصون في “عهر” وانحدار أخلاقي، وهم يرون أجساد أطفالنا وقد فارقتها
أرواحها بفعل الكيماوي، ليكتب أحدهم ممجداً: من هنا مر جنود الأسد.

مراقب

شاهد أيضاً

ترامب و تيك توك من عدو الى منقذ كيف ولماذا؟

” سنحظرهم داخل الولايات المتحده الامريكيه “، بهذه العبارة توعد الرئيس ترمب منصة تيك توك …

حول مفهوم أمن وسلامة الصحفيين

يعد “مفهوم السلامة المهنية للصحفيين” جديد إلى حد ما في المنطقة العربية والشرق الأوسط، ويقصد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *