الرئيسية / Uncategorized / دمشق الحرائق

دمشق الحرائق

دمشق
– تيم الشامي

تستيقظ
صباحاً على أصوات الانفجارات وإطلاق القذائف، لقد حفظتَ الأصوات وبتَ قادراً على تمييز
القذيفة التي “منا” وليست “علينا”، وفي حين يبدو الأمر عادياً
بالنسبة لكَ، الأصوات اليوم هي أعلى من المعتاد فقط، اليوم القصف مكثف، لا يملك الحدث
أبعاداً أخرى، وربما تتمكن بعد القذيفة العاشرة من الاعتياد على الأصوات والعودة للنوم.

على
صفحات الفيسبوك والمدونات والمواقع الإخبارية الأمر مختلف، مجزرة كبيرة بواسطة سلاحٍ
كيميائي، وصور حسابات المغتربين السوريين تتحول للون الأصفر شيئاً فشيئاً تضامناً مع
ما يجري على بعد أقل من ثلاثة كيلومتراتٍ منكَ، ليفاجئكَ سؤالٌ من صديقٍ مغترب
“ما الذي يحصل في الغوطة؟ هل هو صحيح ما يقال عن عدد الشهداء؟”، قد يكون
من الصعب أن تشرح له أنكَ لا تدري، ومن الصعب أن يتذكر هو بالذات كم دمشق كبيرة، وكم
من سكانها غائبون عن الحدث الحقيقي، الاشتباكات أصبحت أعنف اليوم، هذا كل ما تعرفه
من الأصوات التي تسمع، ولا يمكنك التحقق من أن صوت المدفعية- أو أياً كان السلاح الذي
يصلك صوته- إن كان ما يتم القصف به هو كيميائي أو شيءٌ آخر، ولا يبدو الأمر مهماً بالنسبة
لكَ، إن لم يموتوا بالكيميائي ماتوا بغيره، همكَ ألا تسقط القذيفة التالية فوق منزلكَ
وتكون أنتَ أو أحد أفراد أسرتك أحد الميتين بالكيمائي أو بغيره.

أصعب
الأحوال هي وجود أحد أفراد عائلتكَ خارج البلاد، من الصعب أن تقنعه أن الأخبار التي
يسمعها والمجازر التي تصله أخبارها تحدثُ بعيداً عنكَ، يفصلكَ عنها عدة كيلومتراتٍ
وطريقٌ مغلق وحاجز، وفي محاولتكَ لطمأنته تنسى لماذا أنتَ مطمئنٌ بالدرجة الأولى، القذائف
تتطاير من حولك، وحين تنام يتجول الرصاص في الطرقات التي ستسلكها غداً متجهاً إلى عملكَ،
ولا تعلم ما الذي حصل بالضبط بين الوقت الذي كان مجرد وجودكَ في مظاهرة مصدر قلقٍ كبير
يستحق التهاني، والوقت الذي صرتَ تسمع فيه أصوات إطلاق المدفعية على بعد أقل من كيلومترٍ
واحدٍ منكَ وترى الدخان ينبعث من البناء الذي يفصلكَ عنه بناءٌ واحد فقط، وتتابع مشاهدة
التلفاز أو تصفح الانترنت بلا مبالاة، أو في أقصى حالات اهتمامكَ قد تتصفح بعض المجموعات
الإخبارية لتشبع فضولاً بخصوص منطلق ومستقر هذه القذائف.

“هيك
عادي برأيكن؟” تقول صديقة زائرة لدمشق مستغربة من عدم إبداء سكان دمشق أي حالةِ
هلعٍ أو تخوف من اشتداد القصف، وبينما يتداول مئات الآلاف من ناشطي الإنترنت أخبار
المجزرة التي أزهقت روح ما يناهز 1400 شهيداً، هناك قلق أقل ضجيجاً على الطرف الجغرافي
الآخر، الطرف الخائف من رد الجيش الحر على قصف النظام بقذائف هاون غالباً ما تصيب أحياءهم
بدلاً من أهدافها الحقيقية، وفي حين يهرب المدنيون من الرائحة المهلكة في الغوطة، فإن
سكان الأحياء المجاورة للغوطة من دمشق يهربون أيضاً من الرد المنتظر من جيشٍ لم يروا
وجهه بعد، في ظل وجود الجيش الآخر الذي يرونه طول النهار دون أن يحميهم من قذيفة هاون
واحدة.

هل المسافرون
هم من يضخم الأمور؟ أم الباقون في الداخل هم من يحجمونها؟ هل من الطبيعي أن يتوقف صوت
الطيران الحربي عن إخافتنا؟ هل من الطبيعي أن نسلك طريقاً سمعنا يوم أمس أن هناك من
مات قنصاً عليه؟ هل من الطبيعي أن نمضي أيامنا “مقايسين” كما يقال في اللهجة
الدمشقية؟ هل من الطبيعي أن يخيفنا الدولار الأمريكي مع كل صعودٍ له أكثر من أنباء
الأسلحة الكيميائية على بعد كيلومتراتٍ منا؟

الطبيعي
هو ألا نفعل كل هذا، وغير الطبيعي هو أن نفقد إحساسنا بالأمان مختارين مستبدلين إياه
بعزلة عن كل ما يحصل من حولنا، غير الطبيعي هو العيش في البلد الأخطر في العالم والتفكير
بنوع السجائر الجديد الذي علينا اختياره- مجبرين- يوم غد،ٍ بدلاً من التفكير بالهروب
من هذا المكان الأكثر خطورة في العالم، من المؤكد أن غير الطبيعي هو استمرارنا بالعيش
بشكلٍ طبيعي رغم كل الشذوذ المحيط بنا عن الطبيعة.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *