الرئيسية / Uncategorized / المثقف السوري والعقم الفكري

المثقف السوري والعقم الفكري

نور مارتيني

عامان ونصف العام من سيناريوهات القتل
المتكرر في سوريا…عامان ونصف أصابا الإنسانية العالمية في مقتل، لقد سقطت
الإنسانية جمعاء في الاختبار الحقيقي..

أجل، لقد كانت دماء أطفال سوريا الأبرياء، هي
المنبر الذي سفحت عنده كل الاعتبارات الإنسانية…

إذ لا يعقل أن يتقبل امرؤ عاقل فكرة أن
المجتمع الدولي- على ما يدعيه من قيم نبيلة- يتحمل فكرة هذا الموت المجاني في
سوريا!!

ليس المجتمع الدولي وحده هو من سقط في اختبار
الإنسانية، بل مثقفو العالم العربي بأسره سقطوا أيضاً، وليس المثقف السوري وحده،
ولا أدل على ذلك من تجربة ” المنصف المرزوقي” الذي وصل إلى سدة الحكم في
تونس الثورة، ولكنه لم يكن على مستوى المنصب الذي وضع فيه، ولم ينجح في قيادة دفة
الحكم في تونس”بسلاسة وحكمة”، ولم يتمكن من تجنيب تونس الفتن .

الأمر ذاته ينطبق
على المثقف المصري، الذي نأى بنفسه عن “الرعاع”- كما يسميهم- الذين
ساندوه في 25 يناير/كانون الثاني 2011، فدعا إلى قتلهم في 30 يونيو/ حزيران
2013، بالرغم من الحقيقة الدامغة التي مفادها بأنه لولا
هؤلاء- الرعاع- لكان ما يزال تحت سطوة قبضة مبارك الأمنية، ولا أدل على ذلك من
نموذج “عبد الحليم قنديل” الذي ما انفك يسبح بحمد الانقلابيين الذين
عادوا بالبسطار ليتصدى المشهد في مصر بعد عام واحد فقط من الديمقراطية على امتداد
تاريخ مصر الحديث!!

أما فيما يتعلق في
الشأن السوري، فالحال مختلف تماماً، إذ أن المثقف السوري وجد نفسه أمام اختبار
إنساني صعب وهو، إما أن ينحاز لعامة الشعب وتضحياتهم- حتى ولو لم يكن راضياً
تماماَ عن المنهجية التي يعتمدونها في التعبير عن آرائهم، أو أن يتخذ موقفاً ضد
هذا الحراك الثوري، بحجة أنه حراك عشوائي و”إسلامي”- على حد تعبير
بعضهم.

فمن المثقفين من
رأى في الحراك الثوري في سوريا أنه يمثل حراكاً فوضوياً، وأن من قام به هم عامة
الشعب وليس الطبقة المثقفة النخبوية، وللأمانة، فقد كانت مواقفهم صادمة للشعب الذي
اعتبرهم حملة لواء الحقيقة على امتداد سنوات حكم الأسد الأب والابن، فإذا بهم
يصطفون إلى جانب الطاغية في مواجهة شعب تواق إلى حرية لن تجلبها له إلا دماؤه.

طبعاً من بين
هؤلاء المثقفين اليساريين الذين انسلخوا عن الشارع، نرى نماذج من أمثال أدونيس،
ونزيه أبي عفش ..

فها هو
أدونيس يأخذ على المعارضة السورية بعد كل
ما قدمته في سبيل الثورة على مدى عامين ونصف أنها إسلامية
إن ما يحتاجه العالم العربي اليوم ليس حراكاً دينياً كما هو واقع
اليوم، لأن الحراك الديني موجود منذ 14 قرناً، بل يحتاج قطيعة معرفية وسياسية مع
الحراك الديني
.

قد يُبَرَّر هذا الموقف لليساريين، بأنهم
أحسوا بخذلان الشارع السوري لهم حين بدؤوا حراكهم الثوري في ربيع دمشق، المتمثل
بيان الـ/99/، بيان /1000/ وبيان/1500/ وما تبعه من إعلان بيروت وإعلان دمشق.

هذه الإرهاصات التي انتهت بإيداع مثقفي
اليسار هؤلاء السجون، أو نفيهم خارج البلاد وتجميد نشاطهم الثقافي، ولكن التساؤل
هنا مشروع : ” لو أن مثقفو اليسار دفعوا من دمائهم ربع ما دفع ثوار اليوم، هل كان الأسد
ليبقى؟”

على الضفة الأخرى، هنالك مثقفون انخرطوا في
العمل الثوري بشكل كامل، والتحموا مع الشارع، وكثيرون منهم كانوا في طليعة
المظاهرات، وكانوا يمارسون دورهم الريادي في المجتمع من خلال العمل الثوري، وقد
تعرض الكثير من هؤلاء للاعتقال والتنكيل، من هذه النماذج نجد مثقفين من قبيل كتاب
السيناريو يم مشهدي، فؤاد حميرة، خالد خليفة، ريما فليحان.

في السياق ذاته كان الأديب القاص
الراحل” تاج الدين الموسى” في طليعة المظاهرات، بل وكان بمثابة الأب
الروحي لثوار مدينتي إدلب، وظل يحتل موقعه الريادي حتى رحيله في 22-شباط- 2012.

هذه الفئة من المثقفين، أحست بحالة من اللا
جدوى، وأن أي عمل ثقافي أو أدبي غير قادر على محاكاة هذه المرحلة، فمنهم من اتجه
باتجاه العمل الإغاثي، أو الإعلامي معتقداً أنه ومن خلال هذه الخطوة، سيكون قادراً
على الالتحام بالشارع، الذي يرى فيه المشروع الوطني الأصدق، ولهذا تجدهم قد ابتعدوا
عن التأليف الإبداعي، وكثير منهم يبرر هذا الأمر بأنه أصيب بحالة من “العقم
الفكري” حيال ما يحدث، وأنه يشعر بعدم جدوى العمل الثقافي تجاه الكم الهائل
من الدم الذي يهرق في شوارع سوريا.

يقول الشاعر ياسر الأطرش: “أعتقد أن
كل النصوص التي كتبت في هذه المرحلة هي عبارة عن تجارب غير ناضجة، التجارب الناضجة
لن تكتب إلا بعد إيقاف حمام الدم”.

وتبقى هنالك تجارب يتيمة ومتناثرة هنا
وهناك، ولكن حتى كتابها لا يتعاملون معها على أنها تجارب مهمة، لأنهم يرون أنها
أقل قيمة بكثير من الدماء التي عطرت الثرى السوري على امتداد رقعة البلاد.

أمام كل هذا، لا نستطيع أن ننكر أن فجوة
كبيرة بين الشارع والمثقف، وأن المثقف السوري لم يستطع أن يكون على مستوى الحدث،
لأنه حتى المثقفين الذين كانوا يداً بيد مع الشارع في البدايات، انتهجوا أحد
منهجين، إما الانكفاء على الذات والشعور بحالة الامتعاض وعدم الرضا مما يحدث في سوريا،
فاكتفوا بدور الناقد بدلاً من أن يؤدوا دور الناصح لهؤلاء الثوار، أو أنهم غادروا
البلاد هرباً من بطش السلطان، وبحثوا عن أوطان
بديلة، وتركوا الجمل بما حمل!!

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *