الرئيسية / سياسي / سياسة / تقارير / جرمانا.. مدينة السلم الأهلي الذبيحة

جرمانا.. مدينة السلم الأهلي الذبيحة

سالم
ناصيف

لم يعد
تحديد الموقع الجغرافي لجرمانا ذو أهمية، فالمدينة السورية ضاعت في دوامة الموت اليومي المتعدد
الجهات. ولم تستطع المدينة الثكلى الخروج منه
لتأخذ مكانها الذي اختاره أهلها في أن تكون مدينةً للسلم والسلام.

“السلم
الأهلي” هو الشعار الذي رفعه أهلها أوائل الصيف المنصرم، مشرعين، عبر ذلك الإعلان،
أبوابهم لجيرانهم الهاربين من الموت في الريف الشرقي لدمشق، وللموت في آن واحد.

منذ
ذلك الحين تتلقى جرمانا الانفجارت المتتالية، ويسكن الموت شوارعها ليجعلها تتصدر الرقم القياسي بين المدن السورية بعدد الانفجارات
التي وصل إلى تسعة عشرة انفجاراً، وبعدد الشهداء المدنيين الذين سقطوا بالوسيلة الأكثر
رعباً بين وسائل الموت.

لم يشفع لجرمانا وجود قرابة المائة ألف نازح فيها،
جاؤوا من الغوطة الشرقية، لتكون بمنأى عن ضربات هاون الجيش الحر المستمرة بالتساقط
عليها دون حساب دقيق لزاوية السمت الصحيحة ضد جيش النظام.

كما
لم تشفع لها الامتيازات الكثيرة للجانها الشعبية والتي تجاوزت أوامر القوى الأمنية
فيها، بإيعاز من القصر الجمهوري، لتنجو من انفجارات السيارات المفخخة، والتي كان آخرها
في يوم السادس من آب 2013 بالقرب من ساحة السيوف، والذي أودى بحياة ثلاث وعشرين مدنياً،
بينهم طفلة وستة جثث لم يتم التعرف إلى هويات أصحابها نتيجة احتراقها، بالإضافة لأكثر
من سبعين جريحاً.

حدث
الإنفجار على بعد مئة متر فقط من مكان تفجير سبقه بأسبوع في ساحة السيوف الواقعة في
وسط جرمانا ليزيد عدد ضحايا التفجيرات في جرمانا عن المئة.

إذا
ما سألت أهالي جرمانا عن مصدر قذائف الهاون سيقول أكثرهم أن الجيش الحر مسؤول عن إطلاقها
“شلفها” حسب تعبيرهم، لكن أكثرهم سيوحي لك بأن السيارات المفخخة هي من صنع
النظام، معللين ذلك باستحالة مرور أي سيارة على حواجز اللجان دون معرفة حمولتها، تلك
اللجان ذات الصلاحيات المطلقة التي قطّعت أوصال المدينة وحولتها إلى مربعات أمنية محكمة
لا يمر منها أي شيء مرور الكرام.

لأهالي
جرمانا أيضاً وجهة نظر لا بد من أخذها بالحسبان، مفادها أن آخر انفجارين حدثا بعد خلاف
شديد واشتباك جرى بين اللجان الشعبية والقوى الأمنية فيها، ذلك على خلفية اعتقال ثلاثة
قادة لمجموعات من اللجان الشعبية الذين تجاوزوا بصلاحياتهم أوامر رجال الأمن، وما تلك
الانفجارات إلا رسائل تحذير للأهالي كي لا يفكروا بالخروج عن سلطة النظام وهناك من
يقول من الأهالي والموالين تحديداً أن الانفجارات لم تخرج من يد رجال قادة اللجان الشعبية
المعتقلين لدى قوى الأمن للقول: “بأننا من كان يحمي المدينة”.

كحال
المناطق السورية المندلعة فيها الحرب بات أهل جرمانا قادرين على تحديد أماكن الاشتباكات
في الجوار وحتى تحديد مكان وقوع القذائف بشكل تقريبي معتمدين على شدة الصوت للحظة انطلاق
القذيفة ولحظة انفجاراها، وهم يميزون جيداً بين أصوات الانفجارات المختلفة، سواء كانت
هاون، أر بي جي، دوشكا أوغيرها من أصوات الرشقات النارية المسموعة بالجوار.

هي الخبرة
الجديدة التي انتشرت مؤخراً في سوريا، التي لم يسبق لأحد التفكير بها أو التعرف عليها
منذ أن أقفلت جبهة الحرب مع إسرائيل إلى أجلٍ لم يعرف أحد زمانه ولا مكانه.

يتصور
البعض أن مدينة جرمانا تقطنها أكثرية من طائفة الموحدين الدروز العائدين بأصولهم لمحافظة
السويداء لكنها في الحقيقة مدينة يتنوع فيها النسيج السوري من مسيحيين وإسلام وأكراد
وحتى فلسطينيين وعراقيين وإن كان الأهالي من الأصول الجبلية لحوران السويداء هم أول
من سكن فيها.

تشارك
هذا النسيج في جرمانا الحياة المدنية، ما جعلها أكثر مناطق الريف الدمشقي تفاعلاً وتنوعاً
يجمع بين مكونات النسيج السوري والذي بات اليوم يتقاسم الخوف والموت.

جرمانا
مدينة الأبواب المشرّعة، التي حضنت أكثر من مئة ألف نازح لمدة قاربت العام والنصف،
هي ذي اليوم تتعرض لنزوح معاكس بحثاً عن ملاذ آمن، بعدما نزح الأمان عن أبوابها التي
لم توصد في وجه سوري قط. ومن جديد يضطر النازحون إليها للنزوح عنها إلى مكان أكثر أماناً،
يرافقهم سكانها وأهلها هرباً من الموت.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *