الرئيسية / تحقيقات / أحجار المدينة الجامعية…….شاهد على الثورة السورية فقر أمراض دعارة والقضية تطول…….

أحجار المدينة الجامعية…….شاهد على الثورة السورية فقر أمراض دعارة والقضية تطول…….

جورج.ك.ميالة

للمدينة الجامعية قبل الثورة طعم لا يعرفه إلا من عاش جوها, جو شبابي مفعم
بالحياة والأحلام يحتضن كل شرائح المجتمع السوري في حالة تعايش فريدة, مجتمع مستقل
عن مجتمع مدينة حلب.

هممت بزيارة المدينة الجامعية في
هذه الأيام، آملاً باستعادة ذكريات محفورة في نفسي، ولسوء الحظ.. رحبت بي الرائحة
الكريهة على بعد عشرات الأمتار منها لتمحو
كل ما هو جميل في ذاكرتي، ولتدفعني لخوض تجربة جديدة لحال المدينة الجامعية بعد
الثورة!

المدينة الجامعية والثورة السورية

يقول سيف الدين من حمص، وهو واحد من الطلبة الذين كانوا يسكنون في المدينة الجامعية: “كل
حجر في المدينة الجامعية يشهد على الثورة, فمنها انطلق أبناء درعا وحمص وحماه
بالمظاهرات السلمية، يوم كانت حلب المدينة المدللة لدى النظام، وتوسعت لتشمل
الجامعة بأكملها، لتتحول جامعة حلب إلى معقل للتظاهرات, فأنى تجمع اثنان أو ثلاثة من الطلاب، وأخذوا
بالتكبير والهتاف “واحد.. واحد.. واحد.. الشعب السوري واحد”، التف حولهم
المئات من الطلاب، وبعدها يبدأ مسلسل التشبيح وهجوم الأمن، ومداهمة غرف الطلاب،
وتكسيرها. وما إن تغلق الوحدات السكنية في الساعة الحادية عشرة أبوابها، حتى يبدأ
مسلسل التكبير من نوافذ الغرف، والقرع على
الطناجر، وزغاريد البنات من غرفهن، وهنا
يجن جنون الأمن وقوات حفظ النظام، فتبدأ الاعتقالات العشوائية لتطال المئات في
ليلة واحدة, لدرجة أن عميداً في حفظ النظام قام بإنزال جميع طلاب الوحدة السكنية
الحادية عشرة في أحد الأيام، والذين يقدر عددهم بخمسمائة طالب، واعتقلهم جميعاً، وبعدها تطورت
الأحداث لتصل ذروتها في العيد الأول لانطلاقة أول مظاهرة في المدينة الجامعية، حيث
قامت قوات النظام بفتح النار العشوائي على الأبنية السكنية، وارتكبت بمجزرة راح
ضحيتها سبعة طلاب، ثلاثة منهم رماهم عناصر المخابرات الجوية من نوافذ غرفهم أحياء,
وبعد هذه المجزرة لملم الطلاب صفوفهم بنفس الليلة وانطلقوا في مظاهرات حاشدة رداً
على المجزرة، فدخلت قوات النظام في الساعة الثالثة صباحاً، وقامت بطرد جميع الطلاب
منها، والبالغ تعدادهم خمسة عشر ألفاً، لينام معظم الطلاب في الحدائق والشوارع،
ليصبح هؤلاء الطلاب نازحين مشتتين في مدينة حلب، يلفهم الفقر وعدم القدرة على
الاستئجار في ظل غلاء الأسعار.

ديمة، الطالبة في كلية الآداب من مدينة اعزاز، تستحضر معنا ذكريات تلك
الأيام، فتقول لنا: “كنت أسكن في المدينة الجامعية، والآن حرمت من تقديم
امتحاناتي الجامعية بسبب عدم مقدرة أهلي على استئجار غرفة لي في المدينة, وخصوصاً
بعد المجزرة المروعة التي قصفت فيها الوحدة السكنية الثامنة والجامعة، والتي راح
ضحيتها العشرات من النازحين وطلاب الجامعة”.

المدينة الجامعية الآن، معلم مختلف الشكل تماماً، فقد انقلب جو المدينة
الجامعية رأساً على عقب، من مدينة طلابية شبابية فيها روح الحياة, إلى مدينة فيها
قرابة الأربع والعشرين ألف نازح من شتى طبقات المجتمع، من الأساتذة الجامعيين
النازحين، إلى الأميين.

لم يعد ينطلق منها إلا رائحة المرض..
والكآبة ..والفقر بأشد حالاته.

شهر رمضان 2012 .. بداية النزوح إلى المدينة الجامعية

بعد موافقة رئيس الجامعة على فتح أبواب المدينة الجامعية للنازحين، أخذت
جمعية “أهل الخير” على عاتقها مسألة العمل الإغاثي فيها، مشاركةً الهلال
الأحمر الذي أشرف على الرعاية الصحية وتنظيم إسكان النازحين.

يقول نور المتطوع في جمعية أهل الخير: “منذ بداية موجة النزوح في حلب
في رمضان الماضي، ونحن نعاني على خلاف النازحين في مدارس حلب، وذلك بسبب الأعداد
الهائلة للنازحين، ففي خلال الأسبوع الأول، كان في المدينة الجامعية حوالي اثني
عشر ألف نازح، والوحدة في المدينة الجامعية تتسع لسبعمئة وخمسين طالباً، وقد أسكننا
في كل وحدة حوالي الألفين وثلاثمائة نازح, لدرجة وصل معها عدد المقيمين في الغرفة
الواحدة إلى عشرة نازحين، في مساحة لا تتجاوز العشرة أمتار مربعة, ورغم مساهمة
أهل الخير والمتبرعين، إلا أنهم لم يستطيعوا سد الحاجة في غياب واضح للدولة، حتى
في موضوع ترحيل النفايات اليومية, للأسف جميع جهودنا تذهب سدىً بسبب غياب الدعم”.

أما كمال المتطوع في الهلال الأحمر، فيقول: “واجهنا صعوبات كثيرة في
البداية نتيجة الأعداد الهائلة من النازحين وغياب الأمن، فلا يكاد يمر يوم إلا
ويرفع سكين أو سلاح في وجه متطوعي المنظمة, واضطررنا في النهاية إلى الانسحاب من
المدينة مع الإبقاء على مستوصف تابع لنا، مع محاضرات للتوعية الصحية، هذا هو كل ما استطعنا تقديمه”.

وتروي هبة الطالبة في المعهد الطبي، النازحة من حي سيف الدولة قصتها مع
النزوح فتقول: “نسكن في الغرفة تسعة
أشخاص، لذلك قررنا أن ينام الرجال في فصل الصيف في الحديقة، والنساء في الغرفة،
وفي الشتاء قام أبي وأخوتي ببناء خيمة من أسرة المدينة الجامعية كي يناموا فيها,
أما متطوعو الهلال الأحمر وأهل الخير، فهم شباب جيدون ولطيفون، يحاولون مساعدتنا
بشتى الطرق، ولكن جمعياتهم لا تقدم حتى أبسط الحاجيات الأساسية من حليب للأطفال
وحفاضات”.

المدينة الجامعية مهددة بأمراض وأوبئة شتى

يقول الدكتور محمد من مديرية الصحة في حلب: “نتيجة للاكتظاظ السكاني،
وقلة دورات المياه، بات خمسمائة شخص يقتسمون ثمانية دورات للمياه، كما أن قلة
النظافة والماء، وعدم ترحيل القمامة، وانقطاع الكهرباء المتواصل عن المدينة، جميع
هذه العوامل أدت إلى انتشار واسع للأمراض، أولها التهاب الكبد المعروف في حلب بـ”أبو
صفار”، والذي ينتقل عن طريق الحمامات ودورات المياه, ومع قدوم الصيف نخشى من
أوبئة نسيها الطب كالكوليرا، وغيرها من
الجائحات الوبائية”.

وتحكي لنا هيام معاناتها فيما يتعلق بالرعاية الطبية، فتقول: “ظهرت
بوادر حبة السنة “حبة حلب” لدى ابنتي لمى، فقمت بأخذها إلى مستوصف
الهلال الأحمر، ولكنهم لم يقدموا لي أي مساعدة، وحولوني إلى مستوصف في حي حلب
الجديدة، وعندما ذهبت إليه اكتشفت أنهم لا يعطون الدواء المضاد, وهذا الدواء غالٍ
جداً، وتحتاج ابنتي إلى عشرين جرعة، كما أن الجرعات مفقودة في السوق، والحبة تنتشر
في وجه ابنتي، وبالتالي قد تقضي على آمالها في أن تتزوج وتصبح أماً ذات يوم”.

التشبيح ميزة من ميزات المدينة الجامعية

تنتشر ظاهرة التشبيح بشكل كبير في المدينة, فهي مرتع لأي عنصر أمن أو شبيح
يريد أن يلهوا في المدينة. وتقول أم علاء، المرأة الثلاثينية: “بعد خطاب
الرئيس بشار الأسد قام الشبيحة والأمن بإجبار النازحين على الخروج بمسيرة تأييد
تحت طائلة ترحيلهم منها, وعندما لم أستجب لدعوتهم قاموا بمضايقتي بكلام ناب أخجل
أن أقوله أمام أحد, وبين الفينة الأخرى يأتي مندوبون عن فرع الحزب في الجامعة
واتحاد الطلاب يرددون علينا خطباً عن المؤامرة الكونية ضد سوريا، ويحاولون تطويع
شبابنا بكتائب البعث مقابل رواتب رمزية، وتحسين شروط السكن في المدينة الجامعية”.

للفقر حكاية أخرى

يقول صلاح، البائع على بسطة أمام سور المدينة: “إن جلست مكاني أستاذ
سوف تشيب خلال ساعة واحدة, الكثيرون يأتون ليشتروا بيضة واحدة أو بقيمة عشر ليرات
من الشاي أو البن!”.

الدعارة، وانتشار حالات التحرش الجنسي، وتعاطي المخدرات أصبحت سمة مميزة في
المدينة الجامعية، وصل صداها لكل سوريا، فمع انتشار الفقر المدقع في أوساط الناس،
عمدت كثير من النساء إلى العمل بالدعارة بأقبح صورها، وكل يوم نسمع عن قصص بأن
رجالاً يتاجرون بأجساد زوجتهم وأخواتهم في غرف في المدينة الجامعية، كما ضبط
الهلال الأحمر الكثير من حالات التحرش الجنسي واللواطة، التي أصبحت ظاهرة للعيان
في شوارع المدينة الجامعية”.

الوحدة الثامنة قصفت، وتم تدمير أجزاء واسعة منها

قصفت الوحدة الثامنة بطيران النظام المجنون، ولا أحد يعرف حتى اللحظة السبب
من وراء ذلك, ونتج عن ذلك استشهاد وإصابة العشرات، ومع ذلك غادرها قاطنوها إلى
الحدائق المجاورة للوحدة، إلى أن أعيد ترميمها فعادوا إليها، ويبرر ساكنوها هذا
التصرف بأن ليس لديهم مكان آخر غير الشارع يأوون إليه!

كل ذلك يحدث في سوريا، وفي حلب قلعة الصناعة السورية وفي أرقى أحياء
المدينة, وسط صمت، وعدم اكتراث لا من النظام ولا من المعارضة، ولا حتى ذكر لهذه
البقعة من المدينة حتى بتقرير صحفي صغير.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *