ياسر الأطرش
في أواخر العام 2011 قصدتُ الأردن حاملاً ما
تيسر من معونات مالية هي على قلّتها تغني وتسمن من جوع، إذ أن الأعداد كانت قليلة،
ونخوة “النشامى” كانت حقاً حاضرةً في أعلى مستوياتها الإنسانية
والأخلاقية. لمستُ هذا في إربد المفرق، المحافظتين الحدوديتين حيث لجأ آلاف من
سكان حوران وحمص ونفر قليل من ريف دمشق وجسر الشغور. السوريون المقيمون في الأردن
منذ عقود، وهم ليسوا قلة، استنفروا وأعاذوا الناس من شر اللجوء، ونشط الناشطون
سوريين وأردنيين، كانت المعونات تأتي بدل أن يذهب الناس إليها، فاللجوء بتبعاته
النفسية والمعيشية واللفظية ثقيل على السوري، حتى في نظر جيرانه الذين يكبرونه
ويجلون ماضيه وحضارته، إلا أنه بعد حين من الدهر والقتل والفتك والذبح الطائفي
والتهجير القسري … أصبح عنواناً لملايين السوريين تقاسمهم الشتات ما قرب منه وما
بعد، وما كاد يفعل إلا متثاقلاً مجبراً أو مُتاجراً وفي مناسبات نادرة منتصراً
لمظلوم. ومن ثم كادت القصة تنحو منحىً يبعدها عن مساراتها وإراداتها، حين راحت
منظمات ودول إقليمية تتململ من الضيف “الثقيل” وتبعات استضافته، مهددة
بإغلاق حدودها في وجه الفارين إلى حضن أمنها من ظلم “فرعون” وجنوده.
أذكر أثناء تواجدي في عمان تلك الفترة، حدثني
صديق ناشط حلبي عن متسولين سوريين بدأوا يظهرون على أبواب المساجد رافعين جوازات
سفرهم ،: “سوري .. من مال الله يا محسنين”، كان الرجل حانقاً غضبانا،
فالسوري لا يهون ولا يسهل الهوان عليه، كان ذلك في البدايات ولم يدخر الناشطون ولا
المغتربون ولا الجيران جهداً ولا وسعاً لتفادي الوقوع في المحظور.. إلا أنه وقع،
وانتشر، وصار حكاية تُحكى، فالإعلام الجزائري طالب غير مرة ” بكنس المتسولين
السوريين من على إشارات المرور”، كتّاب ما اتقوا الله ولا استحوا ولا عرفوا
حق لاجئ ولا أخ في الدين أو العروبة أو الثورة، راحوا ينفثون أحقادهم منتصرين بذلك
لقاتل وطن وشعب وحضارة، الأمم المتحدة عبر مؤسساتها المختصة لم تكن أقل سوءاً،
بقصد أو بغير قصد، راحت تنذر بالويل والثبور، وتهدد بأعظم كارثة تحل بشعب، محولة
جوهر القصة من ثورة إلى قضية لجوء.. تبعها العالم في ذلك وراح يعقد مؤتمرات مانحين
تستهدف اللاجئين.. ولو أن قليلا مما دُفع
أو وُعد به صبَّ في طريق الثورة الحق منذ البدايات لكفانا الله القتال واللجوء
والتشرد ..
القصة لا تبدو عفوية أو مُفرزاً طبيعياً،
مئات يحترفون التسول في تركيا، لا يردعهم قانون جدي، وإلا لماذا لا يُجبرون على
العيش في مخيمات اللجوء التركية التي تضمن كرامتهم ولو بالحد الأدنى، هل هي تجارة
إذاً؟ ربما .. فليس “النَّوَرُ” وحدهم من احترف المهنة كما ادعى ناشطون
في مصر مبررين ظاهرة تسول السوريين، ففي دول الخليج أو بعضها على الأقل، بدأت
القصة تكبر، وبلسان عربي مبين، وبلهجات سورية ليست “نَورية” أبداً، يدق
على نافذة السيارة أو تدق: “سوري.. سورية .. ساعدني لوجه الله” .. فكيف
وصل هؤلاء إلى دول تمتنع عن إعطاء الإقامات للسوريين؟ وإن كان عن طريق
“الزيارة” ليس إلا، أفلا تُعتبر هذه الدول مسؤولة عن الظاهرة إذ تستقدم
“سوريين” بلا أي حقوق، لا حق لجوء ولا عمل، فهل تستهدف أن تحولهم إلى
“شحاذين”؟!..
من حقنا اعتبار الظاهرة تتجاوز الاجتماعي إلى السياسي، لتفضي أخيراً إلى منطوق
سياسي مُدرك أو غير مُدرك، مؤداه: “يا مساكين شوفوا الثورة لوين وصلتكن”
.. وقد قِيل ..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث