جورج.ك.ميالة
حي بستان القصر، الحي الحلبي العريق، الواقع بقلب مدينة حلب شاهد بقوة على
أحداث الثمانينيات في سوريا، وعلى أحداث الثورة السورية منذ اشتدادها في مدينة
حلب.
الحاضنة الشعبية وصلت لنسبة 70 بالمئة
يقول لنا جمال مصمم الأزياء النسائية، وابن الحي: “رحم الله أيام
السلمية, فقد كانت أجمل أيام الثورة؛ رغم قلة عددنا، بدأنا بمائة شاب، ثم تطورت
لتبغ ثلاثة آلاف من أبناء الحي، ووصل الحد بشبيحة الحي إلى رمينا بحمض الأسيد من
شرفات منازلهم, وكان ترتيب بستان القصر والكلاسة الثاني من حيث عدد المتظاهرين
والمظاهرات بعد حي صلاح الدين, وفي ذروة الثورة وصلت أعداد المتظاهرين في مسائيات
الحي إلى الخمسين ألفاً.
ومع استمرار وحشية النظام، وحملة الاعتقالات والتصفية للناشطين تطورت
الحاضنة الشعبية للثورة عند أبناء الحي، ووصلت لنسبة سبعين بالمائة, فقد أصبحت ترى
عائلات بأكملها في المظاهرات المسائية, وجميع جدران الحي مزدانة بشعارات الثورة “.
اقتحامات متعددة أيام السلمية
تعرض الحي لعدة اقتحامات، وكان أكثرها وحشية الاقتحام الذي أعقب تشييع
الطفل أمير بركات، حيث وصلت أعداد المتظاهرين إلى ستين ألفاُ, فجن جنون النظام، واقتحم
الحي بأعداد كبيرة من المدرعات والشبيحة وعناصر الأمن، وشن حملة نهب وسرقة
واعتقالات طالت كل شباب الحي, هذا ووصل عدد الشهداء الحي أيام الثورة السلمية
لخمسة عشر شهيداُ من المتظاهرين.
يقول لنا أبو طلال:
“ما جنب الحي الكثير من المخاطر أن مخفر الكلاسة وعناصره كانوا من
المتضامنين مع الثورة, فقد انشق رئيس القسم برتبة عقيد وأحد عشر شرطياً منه, فقد
كانوا يخبروننا بمواعيد الاقتحامات، ومواعيد حملات الاعتقالات، وأسماء المطلوبين”.
وحدة وطنية
أكثر ما يميز حي بستان القصر أنه تحول لقبلة لثوار مدينة حلب, فقد تحولت
المظاهرات لكرنفالات تضم جميع أبناء مدينة حلب، على اختلاف طوائفهم ومشاربهم من كرد وعرب وأرمن ومسيحيين وغير ذلك ,
تروي لنا السيدة أم محمد المعلمة المدرسية: “كانت ذروة الوحدة الوطنية
في تشييع الخورية مارينا شحوارو، يونانية
الأصل، التي قتلت على حاجز للأمن السوري في منطقة السبع بحرات, حيث حضر وفد كبير
من شباب ورجال الحي التشييع، إذ فوجئ الجميع بأن أغلب الحاضرين للتشييع هم من
المسلمين، وذلك في حالة وحدة وطنية سريالية فريدة من نوعها، تعكس مدى أصالة الشعب
السوري وتعايشه, وفي مساء يوم التشييع اجتمع شباب الحي لوحدهم، أقاموا قداساً لروح
السيدة مارينا، وأشعلوا الشموع لراحة نفسها، رغم تدينهم الواضح وتمسكهم بإسلامهم”.
وضع معاشي سيئ و ارتفاع كبير في الأسعار
حي بستان القصر يشتهر بتجارة المفروشات، ولكن الظروف التي تعيشها المدينة تسببت
بوقف هذه التجارة، أما عن الوضع المعاشي
للسكان تقول لنا السيدة أم أسعد، المرأة
الأربعينية: ” لقد تسبب غلاء الأسعار الفاحش في سوريا إلى انخفاض في مستوى
معيشتنا من ناحية الطعام والشراب واللباس, فلم نعد قادرين على توفير ما يسد جوعنا,
فضلاً عن خطر خسارة بيتنا بقذيفة من طائرة أو صاروخ من جيش الأسد, فقد نزحنا فترة
واستأجرنا بيتاً لمدة ثلاثة اشهر, وعندما لم نعد قادرين على دفع الأجرة الشهرية,
قررنا أن نعود لبيتنا وأن نخاطر بأرواحنا, فليس لنا خيار آخر”..
معبر الموت
معبر كراج الحجز، أو ما يعرف بمعبر
بستان القصر هو المعبر الوحيد الذي يفصل بين حلب الغربية الواقعة تحت سيطرة القوات
النظامية، وحلب الشرقية الواقعة تحت سيطرة الجيش الحر والمعارضة, هذا المعبر يغطيه
قناصون تابعون للجيش النظامي يتمركزون على سطح القصر البلدي وفي مبنى الإذاعة، وفي
الآونة الأخيرة بعد أن أحكم الجيش النظامي حصار حلب من الجهة الغربية، ومنع إدخال
كل أنواع المواد إليها، فلجأ الناس إلى العبور إلى المناطق المحررة لتأمين غذائهم،
معرضين أنفسهم للموت برصاصة قناص يترصدهم, حتى باتت لقمة الانسان الحلبي معجونة
بالدم، كل يوم يمضي في عمر هذا المعبر يتساقط العشرات من الشهداء برصاص القناصين.
حي النشاطات المدنية بامتياز
بسبب قرب الحي من مدينة حلب واحتضانه لكل أطياف المجتمع الحلبي، أصبح هذا
الحي مركزاً للنشاطات المدنية، فقد قام مجموعة من الشباب الحلبي وعلى رأسهم الناشط
مصطفى كرمان، وبجهودهم الذاتية بافتتاح
مدرسة لاستكمال العملية التعليمة التي توقفت، و سميت مدرسة الشهيد مصطفى كرمان،
الذي استشهد بعد فترة قصيرة من افتتاحها بقذيفة هاون سقطت على مظاهرة سلمية كان
يشارك بها أبناء الحي.
كما يوجد تجمع آخر من أبناء الحي اسمه “أنا سوري “يقوم بنشاطات
متعددة، كحملات النظافة التطوعية، ورعاية المرضى، إضافة لنشاطات رياضية أخرى.
واقع سيئء ونقص حاد في الأدوية
يقول لنا الدكتور نور الدين، العامل في المشفى الميداني في الحي: “كما
تشاهدون المشفى الميداني عبارة عن غرفتين تجهيزهما بسيط، نعمل على ضوء البطاريات
والمولدات، ولسنا قادرين على إجراء العمليات المعقدة، وإنما يقتصر عملنا على
الاسعافات الأولية البسيطة, والضغط الكبير علينا بسبب شدة القصف من قبل قوات
النظام ،وكثرة الاصابات، وخطورتها.
ويضيف الدكتور نور الدين “بسبب وجود معبر كراج الحجز، وتمركز القناصين
بمحيطه، عمدنا إلى تأسيس نقطة طبية علنا نسعف المصابين جراء رصاص القناصة الذين
يستهدفون المدنيين، ولكن للأسف هذه النقطة غير مفيدة لأن أغلب إصابات رصاص
القناصين قاتلة، فهي إما تستهدف الصدر أو الرأس”.
ويضيف عن واقع الأدوية: “هناك نقص كبير في المعدات الطبية وأدوية
الأمراض المزمنة، وخصوصاً أمراض الكلى، والقلب، والسكري، رغم الجهود الجبارة التي
يبذلها المجلس الطبي الموحد في حلب .
أعداد كبيرة وضعف تنسيق
يقول لنا نصر الدين المقاتل في إحدى الكتائب الإسلامية: “في حينا
حوالي الأربعة والأربعين كتيبة، بالإضافة إلى كتائب من لواء التوحيد، وجبهة النصرة،
وتجمع كتائب “فاستقم”، ولواء
الفتح، وأحرار الشام، ومؤخرا في شهر رمضان ظهر عناصر مقاتلون لدولة العراق والشام،
وغيرهم الكثير, ولكن السمة الأبرز هي ضعف التنسيق والتعاون فيما بينها، فالجبهة مع
النظام مستقرة نوعاً ما ولا تقدم باتجاه مركز المدينة, ولا يمر يوم إلا ونستهدف
مراكز النظام في قلب المدينة بقذائف الهاون، كما يوجد هناك شرطة ثورية غير فعالة،
بسبب كثرة العناصر المسلحة في الحي.
القوة للهيئة الشرعية
لقد قام أهل الحي بإجراء انتخابات للمجلس المحلي، وهناك جهود جبارة من
أعضائه لتسيير أمور الحي، ولكن ضعف الإمكانات، وتعب الأهالي من شدة القصف، جعلته
ضعيفاً، كما أن انتشار المحسوبيات أدى إلى ضعف ثقة الأهالي به, ولكن للهيئة
الشرعية النفوذ الأقوى بسبب دعمها العسكري من قبل الكتائب المقاتلة، هذا وقد شهد
الحي عدة مظاهرات ضد الهيئة الشرعية من أجل فتح معبر كراج الحجز أمام اهالي مدينة
حلب الغربية، وكذلك شهد الحي عدة مظاهرات للمطالبة بالإفراج عن شباب اعلاميين كانت
الهيئة قد اعتقلتهم, وكان آخرهم قد تم اعتقاله من قبل الهيئة بسبب جهره أنه علماني،
ولكن سرعان ما أطلقت سراحه نتيجة الضغط الشعبي.
تقول لنا أم محمد، التي لديها ولدان في صفوف الجيش الحر:
“لقد قدمنا كل ما نملك للثورة، لدي ابن معتقل مذ ثمانية أشهر، وابنان
في صفوف الجيش الحر, ولكن المجلس المحلي والمعارضة الخارجية لم تقدما لنا شيئاً،
لدرجة أن ولدي أصيب في معارك الإذاعة، ولم تقدم له الكتيبة أجور العلاج، حيث عمدت
إلى بيع ما أملك من ذهب حتى يستكمل علاجه في تركيا”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث