ليليا نحاس
أن تحتاج الى دواء في ساعة ما من يومك، وتدخل أية صيدلية قريبة من سكنك، وتشتريه.. سيناريو لم يعد بسيطاً
كما يبدو، بدايةً عليك ألا تحتاج إلى دواء بشكل مفاجئ، فقد تقع في ورطة! ثانياً ألا تحتاجه ليلاً! ثالثاً ألا تتوقع أن
تحصل عليه من أول ثلاث صيدليات ستدخل اليها! رابعاً.. قد تدفع ثمنه كما هو، أو قد
تدفع ثمناً خيالياً! أخيراً.. ربما لن
تحصل عليه اطلاقاً .
يدفع مرضانا يومياً ضريبة الحرب في البلاد, صراخ وأنين، وألم لا يعلو على صوت المدافع، ولا يسمعه أحد. مرضى
يموتون سريرياً كل يوم لانقطاع أو شح في
الدواء، وليس هناك حتى من يدعوهم بالشهداء.
في السوق الدوائي في حلب تتداول الأقاويل والإشاعات، وتكثر حالات الاستغلال والسمسرة، ولا يخلو من أيادٍ بيضاء من متبرعين، وصيادلة،
وأطباء.
بعد محاولاتنا لإيجاد تفسيرات- أقرب للواقع- لما يعاني منه الدواء
الوطني، وجدنا أن علبة الدواء تمر بمراحل عديدة قبل أن تصل إلينا، فإن تعثرت حركة المرور
في أية مرحلة سيقول لك الصيدلاني: “الدواء مقطوع”.
المواد الأولية، وصعوبات الاستيراد
يقول
الدكتور عمار، وهو الصيدلاني المسؤول عن تأمين المواد الأولية لعدد من معامل الأدوية في حلب: ” المواد
الأولية اللازمة لصناعة أي دواء هي مجموعتين: الأولى عبارة عن المواد التصنيعية
وتدعى ( السواغات )، وهي متوفرة بشكل جيد, والثانية هي المواد الدوائية الفعالة
(المسؤولة عن التأثير العلاجي ), 100 % من المواد الدوائية الفعالة مستوردة من
بلدان آسيوية وأوربية؛ فالصعوبات التي تواجهنا في استيراد هذه المواد هي السبب في
انقطاع حوالي 70% من الأدوية غير المتوفرة في السوق الدوائية, بعد قيام الثورة
السورية وما تلاها من تبعات سياسية، طبقت العديد من دول الاستيراد- بالأخص الأوربية
منها- عقوبات اقتصادية على سورية، ما حتم
على الكثير من معامل المواد الأولية هناك أن تلغي تعاملها معنا، و توقف تصدير
المواد الدوائية, وهنالك العديد من المواد الدوائية لم نجد بديلاً مورداً له حتى
الآن. كما أن لبعض المواد الدوائية مشاكل في المرور إلى سوريا، رغم وجود مورد لها
كمادة (النيتروغليسيرين) الدوائية ( وهي موسع وعائي سريع التأثير، يؤخذ عند حدوث
نوبات قلبية )، هذه المادة تندرج ضمن المواد المتفجرة إذا استعملت بكميات ضخمة،
لذلك لا تجد طريقاً إلى سوريا كمادة دوائية، ما أدى إلى توقف صناعة هذه الحبوب المنقذة
للحياة، والمفارقة أن المواد المتفجرة الحقيقية تصل بسهولة, يدفع ثمن المواد
المستوردة بالدولار، بينما تباع الأدوية بالليرة السورية، أي أن المصنع يدفع تكلفة
هذه المواد أضعاف السابق، ويباع بعضها بسعر لا يغطي تكلفتها، ما أدى إلى توقف
صناعتها بسبب “عدم وجود جدوى اقتصادية للمصنع من تصنيعها “.
معامل وسط ساحات المعارك
يولد دواؤنا الوطني في إحدى أكثر ساحات معارك
الثورة السورية شراسة, تقع معامل حلب الدوائية بمعظمها في ريف حلب, إذ تعد هذه المعامل
المسؤولة عن أكثر من نصف المنتج الوطني السوري من الأدوية. سنة كاملة من العمليات
الحربية في هذه المناطق، أوقعت أضراراً مادية في العديد من المعامل.
يقول الدكتور لطفي، وهو مدير أحد معامل الأدوية
في منطقة المنصورة : ” مرت على العاملين والمعمل سنة عصيبة، اضطررنا خلالها
للتوقف عن العمل لفترات متقطعة, العمل هنا لا يسير على وتيرة واحدة، إنما تبعاً
للظروف المحيطة, ففي حزيران الماضي، أصابت قذيفتان أحد أقسام المعمل، ما شل حركة
العمل والإنتاج لشهر كامل, فقدنا أحد عشر عاملاً
كضحايا أثناء توجههم لأداء عملهم، بسبب خطورة الطرقات المؤدية للمعمل, حوالي
نصف العمال يبيتون في المعمل مع عائلاتهم، منهم نزح من قريته، ومنهم من يجد المكان
أكثر أمناً من الطرقات المجاورة, فترات التصنيع قد تمتد لليل أحياناً، لنعوض فترات الانقطاع. بشكل عام، نعمل حالياً بنصف طاقتنا الإنتاجية الكاملة ” وتنعكس هذه الحالة الانتاجية على معظم المعامل المجاورة”.
يقول
د. محمد، وهو رئيس قسم التغليف في معمل دوائي مجاور: ” تحتاج بعض
المنتجات الدوائية لمواد خاصة لتغليفها، لتحميها من العوامل الخارجية، ولتحافظ
المادة الدوائية على فعاليتها، ونجد صعوبة بشراء بعض هذه المواد، ما يؤدي لمكوث الكثير من المنتجات في المستودع
تنتظر تغليفها, لا يكون الصنف الدوائي
جاهزاً للبيع حتى يغلف كرتونياً، ويطبع على علبته جميع المعلومات الطبية والتجارية
اللازمة.
للأسف توقفت عن العمل معظم المطابع التي كنا نعتمد
عليها، ما اضطرنا إلى طرح الكثير من الأدوية
الضرورية في السوق دون تغليف كرتوني “
التوزيع
مجازفة خطرة ومربحة
يقول
الأستاذ سمير وهو مدير أحد المستودعات
المسؤولة عن توزيع الأدوية للصيدليات الريفية: ” كان شكل التوزيع الذي تعتمده
معظم المعامل هو إرسال أدويتها إلى وكيل معتمد، ووحيد، في كل محافظة سورية, يقوم الوكيل بعدها بتوزيع الأصناف على صيدليات الريف والمدينة في المحافظة. كان هذا
يكفل توزيعاً متساوياً وتوافراً في جميع الصيدليات، أما شكل التوزيع الحالي، فقد بات أي معمل يبيع أي مستودع، أو صيدلاني يشتري منه الدواء، و تقوم هذه الجهة ببيعه بعدها لأي وجهة يمكنها إيصال الدواء إليها.
حدثت هذه الفوضى بفعل الكثير من حالات الخطف، أو الاعتقال للسائقين، وسرقة سياراتهم
المليئة بالدواء، واتهامهم بأنهم كانوا يوصلون الأدوية لجهات معادية، أو إرهابية،
ما أدى إلى حرمان الكثير من القرى والمدن
من أصناف دوائية مهمة لفترات طويلة, هذا يفسر أيضاً تواجد الكثير من الأصناف
الدوائية في منطقة، أو محافظة، وانقطاعها في مناطق أخرى، وقد تباع في مناطق محاصرة
أو خطرة، بأسعار عالية، ثمناً إضافياً لتكلفة الطريق والمخاطر فيه “.
في الريف التهريب يسد الفجوة
يقول الدكتور أحمد، وهو صيدلاني يعمل في
طريق الباب: ” الكثافة السكانية هنا عالية، وتعاني المنطقة من ضعف في الخدمات
الطبية بشكل عام, أغلقت الكثير من العيادات والصيدليات، بسبب سفر الأطباء
والصيادلة، ليسكنوا في مناطق أكثر أمناً, نعاني
هنا، وفي معظم المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر، من انقطاع بعض الأدوية الوطنية، بعضها ضروري جداً لحياة المريض، كونها أدوية لأمراض مزمنة
كالسكري، والضغط، والكوليسترول ،وينبغي على المريض أن يأخذ هذه الأدوية لما تبقى
من حياته, استطعنا في الفترة الماضية تأمين الكثير من هذه الأدوية من تركيا، إلا أنها
تصل إلى يد المريض بسعر عال، ولا يستطيع معظم
السكان هنا تحمل تكلفتها “
صيدليات عشوائية بعلم الصحة
تكثر في مدينة حلب صيدليات عشوائية فتحت دون الحصول على إذن من مديرية الصحة في
حلب، تعود معظمها لصيادلة كانوا يعملون في الريف، وتعرضت صيدلياتهم أو شخصهم للخطر،
ما دفعهم إلى ممارسة العمل في المدينة متحدين مديرية الصحة ونقاباتهم التي نأت
بنفسها عن تعويضهم عن خساراتهم، أو تأمين نوع من الحماية لهم لتشجيعهم على مواصلة
عملهم في مناطقهم .
يقول الدكتور فهد، وهو صيدلاني في منطقة
الفرقان، داخل مدينة حلب: ” كانت صيدليتي سابقاً في بستان القصر، وبيتي هنا, كنت
أذهب يومياً إلى هناك، وتعرضت في الفترة الماضية لمضايقات كثيرة من حواجز النظام،
واتهموني بأني أذهب لمداواة الإرهابيين، عدا عن مخاطر القنص على الطريق, اضطررت
بعدها لنقل صيدليتي إلى هنا، بعدما دفعت ربع قيمة الأدوية لحاجز الجيش النظامي،
حتى أستطيع إيصالها إلى هنا. الكثير من الأدوية غير متوفرة هنا، أهمها أدوية
التهاب الكبد، وأمراض الكلية، والكثير من الأصناف التي تقع معاملها في منطقة الشام،
لصعوبة وصولها إلى حلب. من الصعب على الصيدلاني في المدينة إقناع المريض بإمكانية أخذ دواء بديل بنفس
التركيب عندما لا يكون دواؤه متوفراً، لذلك يعانون الكثير في البحث عنه، ويتعرضون
للابتزاز أحياناً حتى يحصلوا عليه؛ من أهم ما يعاني منه المريض أنه لا يجد صيدليات
مفتوحة إذا احتاج الدواء ليلا، فليس باستطاعة أي صيدلية أن تناوب ليلاً بسبب تردي
الوضع الأمني، مما يجعل من الصعب بمكان على الكثير من الحالات الإسعافية، أن تحصل
على الدواء اللازم “
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث