الرئيسية / رأي / الخامسة والعشرون

الخامسة والعشرون

عدنان عبد الرزاق

ليست
الخسائر المالية، وهي قائمة وخطرة طبعاً، أكثر ما يشغل السوريين حول مستقبلهم المتلبدة
غيومه حتى اليوم، وتناول قضية الخسائر الاقتصادية بذاتها، بمنأى عن الخسائر البشرية،
من شهداء وجرحى ومعتقلين، قد يوقعنا في نزعة جوهرانية تقوم على التشييء المطلق.

لكن
هذا لا يلغي ضرورة النظر إلى مستقبل بلاد تنهب وتدمر بحقد ومنهجية غرائبية، بهدف محاصرة
التمادي والتنبيه إلى بعض من السلوكيات الشائنة والتوكيد على أن إعادة الإعمار ستترك
سوريا- على الأرجح – مستلبة للدائن والمساهم، بل وللداخل بهيئة الحريص والناصح ربما،
في بلد ستضطر لمد اليد، إذ لا ثروات وأموال يمكن الركون إليها، لبناء الحجر وتأهيل
البشر.

“الأسد
أو نحرق البلد”، وفعلاً، هاهو الدمار يلف البلاد من أقصاها إلى أقصاها، فما عُرف
وقدرت أكلافه حتى نهاية 2012 لجهة الاقتصاد فقط، أي عدا الإنسان- حامل التنمية – الذي
قتل وأعيق وهجر، قدرت بنحو 48.4 مليار دولار بالأسعار الجارية، أي ما يعادل 81.7% من
الناتج الإجمالي السوري، الذي يشهد نمواً سلبياً منذ اندلاع ثورة الشعب السوري، قُدر
النمو بنحو 3.7% عام 2011 ونحو 19% عام 2012، لتتوزع الخسائر 50% خسارة في الناتج المحلي
و43% أضرار في مخزون رأس المال و7% في زيادة الإنفاق العسكري.

لنفترض،
بادئ ذي بدء، أن النظام السوري قد رحل، رغم أن الدلائل والتعاطي العربي والدولي والانحياز
نحو تدمير سوريا، هو البادي والغالب، ولكن جدلاً نقول: رحل نظام الأسد وسوريا على ما
هي عليه من تدمير واستنزاف وقلة، إن لم نقل انعدام موارد، فكيف يمكن أن تنهض وتجعل
من نمو الناتج ايجابياً يدفع بعجلة التنمية إلى الدوران؟!

ثمة
مصادر وحلول محددة، لعل أهمها رأس المال السوري المهاجر قبل الأزمة والمهجر خلالها،
ولكن هل يمكن لتلك الأموال أن تفي بكل الاحتياجات التي خلّفتها حرب ربما لم يشهد التاريخ
مثلها، لجهة تدمير بنى وهياكل على أيدي أهل البلد نفسهم!

أعتقد
أن الاعتماد على هذا المسار فقط، إنما سيفرض تأخيراً، إن لم نقل بؤس التجربة واستحالة
الإيفاء بالالتزامات تجاه شعب ناضل لينال حريته وكرامته ويغيّر من شروط معيشته، التي
استلبت بفتوحات قولية وشعاراتية منذ عقود .

ليأتي
الاحتمال الآخر، وهو الأسوأ أو الشر الذي لا بد منه، وهو المعونات والقروض الدولية،
سواء من بعض الدول بشكل مباشر، أو عبر مؤسسات دولية مانحة، والتي لن تقدم المال أو
تدخل في إعادة الإعمار والاستثمار كرمى للشعب السوري وحباً بعودة سوريا لما كانت عليه
قبل آذار 2011، بقدر ما ستفرض شروطها التي على الأرجح ستتعدى الشأن الاقتصادي والمجتمعي.

وهذا
في عمومه يستدعي اهتمام السوريين لما يسمى “الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق”
للمحافظة قدر الإمكان على المؤسسات القائمة كي لا نزيد من فواتير إعادة التأهيل، لأن
ثمة ارتكابات انتقامية حيال ممتلكات السوريين، أو بعض مناطقهم على وجه التحديد، تجري
بشكل علني، بل وربما معد له مسبقاً، أو كردود أفعال ثأرية تثير الدهشة، بعد تحرر تلك
المناطق.

بيد
أن الأخطر والأوجب التفاتاً إليه، هو المحافظة على ثروات سوريا من الارتهان والتأجير
والإبقاء على نهج اقتصادي يتناسب والسوريين الخارجين من حرب قاسية، أتت لأكثر من عامين
على الممتلكات والمدخرات، وعدم الاستجابة لشروط الدائنين والمانحين، في فرض نهج ليبرالي
متوحش يجهز على ما تبقى لدى السوريين من قدرات وآمال .

لذا،
وهذا ليس من قبيل التهويل أو حتى استباق الأمور. وجب على من يعنيهم الأمر، أن يسألوا
كيف ستستمر سوريا بعد الحرب دون ارتهان مصير وثروات وتبديد مقدرات، للمحافظة عليها…أو
على ما تبقى منها.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *