حازم نهار
الوطن في
تاريخنا وثقافتنا السياسية السائدة محدّد بمجموعة من المفاهيم والتصورات، لعل
أهمها عندما يشار إليه بـ “الحِمَى”، وهذا يعني أن الوطن محض جغرافيا،
أو هو الجغرافيا الحاوية على الماء والكلأ والنار فحسب، ويتأسس على ذلك تقسيم
العالم إلى “فسطاطين”: أهل الحمى والغزاة.
يتأسس على
هذا الفهم تحديد سلبي للوطنية، لتصبح معادلة تماماً للموقف من الآخر، أو الموقف من
الغازي أو المستعمِر، الذي يحاول انتهاك الحمى. وخلال فترة مقارعة الاستعمار
الغربي تطابق مفهوم الوطنية مع حركة التحرر وطرد المستعمر، ولم يكن في برامج معظم
حركات التحرر العربية سوى نقطة واحدة هي تحقيق الاستقلال. لكن حتى اليوم ما يزال
تحديد الوطنية يتم بشكل سلبي، أي بدلالة الآخر أو الخارج، ولم يحدث للآن بناء
الهوية الوطنية انطلاقاً من الذات وحاجاتها وأهدافها بالدرجة الأولى.
نعرف
جميعاً أن عناصر الدولة أو شروط وجودها تتحدد بالشعب والأرض والسيادة، لكن هذا
التحديد التقليدي للدولة بدأ يتغير، وهناك عوامل عديدة لعبت دوراً كبيراً في الحد
من سيادة الدولة، فوجود الدولة في عالم واسع، يتضمن دولاً متفاوتة في القوة، يجعل
من كل دولة بالضرورة ناقصة السيادة، كما أن تطور المجتمع الدولي بعد الحرب
العالمية الثانية خاصة، أفقد السيادة مفهومها المطلق، مثلما حصل مع ألمانيا عندما
منعت من التسلح، وبعض الدول منعت من امتلاك الأسلحة النووية، أو حتى من إرسال جيوش
إلى الخارج (اليابان)، أما بالنسبة للبلدان المتخلفة،، فحاجتها إلى رؤوس الأموال
وأزماتها المالية الدائمة، جعل من معظمها خاضعة لمؤسسات عالمية، وبالتالي ناقصة
السيادة من خلال الشروط الموضوعة لمنح المساعدات، خاصة ضغوط البنك الدولي والشروط
التي يضعها لتقديم قروضه.
التطور
التكنولوجي، خاصة في السنوات الأخيرة، أفقد السيادة أيضاً الكثير من مقوماتها،
وزاد من فعل الدول المتطورة في جميع شعوب العالم، كما اهتز مبدأ عدم التدخل في
الشئون الداخلية للدول الأخرى، وهو أحد القواعد الأساسية للمجتمع الدولي، على إثر
حرب الخليج عام 1991 عندما أقرت الأمم المتحدة حق التدخل الإنساني.
هذا لا
يعني أن الجغرافيا غير مهمة، إذ ستظل سيادتنا منقوصة طالما بقيت أجزاء من أرضنا
محتلة، لكن السؤال المهم هو: هل السبب في نقص السيادة السورية مثلاً هو فقط احتلال
جزء من أرضنا، أي الجولان، أو غيره؟
المعروف أن
حدود بلادنا قد حُدِّدت من قبل السفير البريطاني في الهند في أوائل القرن الماضي
من دون رأي أهل المنطقة، فلنفترض أن هذا التحديد قد تم بطريقة تختلف بضعة كيلو
مترات في أي اتجاه وأي منطقة، فهل كان ذلك سيغير من طبيعة فهمنا للوطن والشعور
الوطني؟. الجغرافيا
هي إطار الوطن، لكن مفهوم الوطن أوسع من الجغرافيا. الأساس هو ماهية الوطن، أي
محتواه ومضمونه، أما الحدود الجغرافية للوطن فهي نتيجته وتتحدد به.
كثيراً ما
يشار للوطن بصفات المرأة، كأن يقال “سقطت بغداد العذراء”، و”انتهك
الغزاة حرمة البلاد”، وكل هذه التعابير تشير إلى أهمية بعد الشرف الأنثوي
وحضوره الطاغي في ثقافتنا، فالمجتمع الذي تقوم ثقافته في جزء كبير منها على
“الفضيحة والعار” لا يستثيره شيء، كما تستثيره قضايا الشرف، وبدرجة تفوق
الحرص على الأوطان.
إضافة
للجغرافيا ومقاومة الاستعمار والحفاظ على الشرف، هناك محدد رابع للوطن والوطنية في
الوعي السياسي السائد، هو الأيديولوجي، فلا أحد يتخيل الوطن والوطنية بمعزل عن
رؤيته الأيديولوجية أو معتقده. فكل أيديولوجيا تضع تصوراً، أو فهماً محدداً للوطن
والوطنية، ويصبح غير المنتمين لهذه الأيديولوجية غير وطنيين بالضرورة كما هو سائد.
كل من هو
غير مسلم، مشكوك في وطنيته في فكر معظم التيارات الإسلامية، وكل من يحاول
الاستفادة من علوم الغرب وثقافته بعيدٌ عن الوطنية في فكر التيارات الشيوعية
التقليدية، وكل من ينتمي للأقليات القومية (الأكراد مثلاً) هو عميل للخارج بشكل أو
بآخر في الفكر القومي التقليدي، فهذه الأقليات ما هي إلا إسفين مغروس في مجتمعاتنا
سيستخدمها الخارج في النفاذ إلينا في الوقت المناسب.
السيادة
الوطنية في قاموس أنظمة الاستبداد تعني قانون الطوارئ والأحكام العرفية، واجتثاث
المعارضين، وقطع الطريق على الحريات، واحتكار السلطة، وإلحاق الإعلام ومؤسسات
الدولة بها، وتخويف البشر وامتهان كرامتهم، على الرغم من أن هذا الفهم لم يحافظ –
كما تشير تجارب عديدة – على الوطن والوطنية.
يضع النظام
الاستبدادي معاييره الخاصة التي تتناسب مع استمراره ومصالحه في تحديد
“الوطنية”، إذ يجعل منها، بشكل أو بآخر، معادلة للولاء له، ولتصبح كل
حركة معارضة لوجوده واستمراره خارج السرب الوطني. الاستبداد من جهة ثانية يقدِّم
فهماً سكونياً ثابتاً لمفهوم الوطن والوطنية، على عكس النظام الديمقراطي الذي يسمح
في كل لحظة بإعادة اكتشاف الهوية الوطنية، باعتبارها هوية متجددة، وكائناً حياً
ينمو ويتطور ويتفاعل مع الجديد والمتغيرات، وهذا يعني أنه لا توجد ملامح للوطن من
دون الديمقراطية.
لا وطن بلا
مواطن، ولا تحرير أو استقلال من دون حرية المواطن. فالمفهوم الجديد للسيادة
الوطنية يتحدَّد بمدى احترام حقوق الإنسان، فهي الأساس ليشعر المجتمع برمته بأن
الدولة دولته، وأن الوطن وطنه. بالتالي فإن مرجع الوطنية هو الدولة الوطنية، فهي
فقط التي تمكننا من وضع محدِّدات أو توصيفات حقيقية للوطنية والخيانة، باعتبارها
دولة الكل الاجتماعي ودولة القانون واستقلال القضاء.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث