الرئيسية / منوعات / منوع / أطفال مخيم كلس، ينتظرون أحلامهم الضائعة

أطفال مخيم كلس، ينتظرون أحلامهم الضائعة

ربى المحمد

تتأمل وجوههم فلا تلمح فيها سوى بعض ملامحَ من طفولةٍ
غارت تفاصيلها وراء أعينهم المليئةِ بالغربة والكآبة والوجع. أمام خيامهم يتجمعون
ليلهوا ببعضِ أمنياتٍ تعبقُ بأحلامهم الصغيرة التي علّقوها على حدود الوطن. تتحلّقُ
كلماتُ أغانيهم التي يهزجونَ بها حولَ مشاهدَ علقت في الذاكرة الطريّة البريئة،
مختزلةً بقايا صورٍ لمدرسة أو بيت أو لعبة أو كرة. الطائرة تقترب، ابتعدوا هيا،
هكذا يصيحُ صبيةٌ صغار وهم يتراكضون، فيما يصيحُ أحدهم: استسلموا، مُصدراً أصوات
إطلاق نار، يرتمي بعضهم أرضاً كأنه أصيب جراء إطلاق النار، بينما تمزّق أصوات
ضحكاتهم التي تعجّ بفوضى طفولتهم المحترقة كبد السماء، ولكن ما من مجيب؟

أحمد ذو الأعوام العشرة يمسك كراسهُ الصغير، والذي باتَ
هنا عالمهُ الذي يعيشهُ منفلتاً من خوفٍ انزلقَ إليه ليهدمَ طمأنينتهُ في ذلك
المشهد المروّع الذي لن ينساهُ مدى الحياة. صورةُ أبيه المسجّى أمام عينيه بالدماء
هي إحدى أكثر رسومهِ التي ترتجفُ على الورق، والتي تمرّر إلى دمك قشعريرةً لا
يمكنُ لك أن تخرجَ منها إلا بوجعٍ مشبوبٍ بدمعةِ أحمد، التي التهبت في عينيه وهو
يقلّبُ كراسه الصغير ليريهم رسومه. اللون الأحمر هو ما يميّز لوحاته الصغيرة التي
تغصّ بأمنياته المخبوءة خلفَ حزنه. ابن العشرة أعوام لن يرتاح على حدّ تعبيره حتى
يرى الأسدُ صريعاً كما فعلَ قناصتهُ بأبيه.

وعلى بعد عدّة أمتار من خيمة أحمد، تجلس أروى ابنة
الثماني سنوات وهي تمسكُ بقطعةِ قماشٍ صغيرة، تقصّها وتخيطها بأناملها التي يعشّشُ
عليها ارتجافٌ منطفئ. إنما هي محاولة من أمها لتشغل بها الصغيرة عن قضم أظافرها
التي بدأ القيحُ ينزّ منها على إثر القضمِ المستمرّ. فما كانَ من أمها إلا أن
سارعت إلى ابتكار الوسائل لكي تشغل بها يديّ الصغيرة عن ذلك.

أروى الصغيرة مصابةٌ بحالةٍ من القلقِ إزاء ما تعرّضت له
العائلة من ذعرٍ كبير بعد أن فرّت هاربةً تحت وابلٍ من الرصاص أمطرَ شباب بلدتهم
في إعدامات ميدانية. الصورةُ لا تفارقُ مخيلة أروى، والخوفُ يسكنها، ويزدادُ هلعها
كلما علمت أنّ والدها ذهب إلى سوريا، فتبدأ بقضم أظافرها، وتكادُ يداها لا
تتوقفانِ عن الارتجاف. وها هي تعيشُ أحلامها المشوّشة بالانتظار والقلق في تلك
القصاصات الصغيرة من الأقمشة التي تخيطها للعبتها الصغيرة التي تركتها وحيدةً في
منزلهم، إنها تنتظرُ بفارغِ الصبر كما تقول سقوط الأسد كي تعود إلى بيتها وتحضن
لعبتها.

لا تملكُ وأنت تسمع تلك الحكايا النابضة، إلا أن تلملمَ
أساكَ الذي يتدلّى منك تحت كومةٍ من الركام لتداهم به العالم الأصم، ولكن مرة أخرى
تشعر بالأسف، بالأسى لأنه ليس هناك من مجيب. هذه الطفولة التي تطاير ريشها في مهبّ
القتل والتشريد من سيمنحها من جديد أغنية من فرح مفقود؟ هناك فوق حبل من حبال
الغسيل المتقطعة قفزت تهاني ذات السنوات التسع. مع قفزاتها تتأرجح أمنياتها
المثقوبة بالوجع. كلُّ يومٍ يمرّ ويبقى فيه النظام يسرقُ منها ابتسامةً موعودة. هي
لا تملكُ من الأحلام اليوم سوى رغبتها في انتهاء حكم الأسد ليعود إليها أبيها الذي
يعمل مع الجيش الحرّ، فلا تراه إلا كل بضعة أشهر ولساعاتٍ معدودة يحملّها فيها
والدها أملاً وإيماناً بالعودةِ القريبة. كل يومٍ تمضي ساعاتٍ وهي تقفزُ على حبلها
مردّدة مع كلّ قفزة عبارة: (ستسقط ونعود). تنوسُ هذه الجملة في نفوس أطفال المخيّم
جميعاً، وبين دفتيها ينتظرونَ موتَ ليلٍ وولادةَ فجرٍ جديد. ينتظرون أن يعودوا من
جديد إلى وطنهم ليكتبوا بالطباشير على جدرانِ النصر طفولتهم الجديدة، ليتقاسموا
معاً من جديد النصر، والخبزَ والأمل. أطفال سوريا المنسيين هنا سيعودون إلينا
بالحكايا والصور والحبّ ليستمرّ الوطن.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *