جلال بكور/
لعل تركيا باتت على قناعة بعدم قدرتها مواجهة المشروع الأمريكي الرامي إلى تقسيم سوريا، وإنشاء كيان ذو غالبية كردية في شمال شرق سوريا، وليس فقط لقوة أمريكا العسكرية والاقتصادية مقارنة بقوة تركيا، إنما لدخول العديد من الدول الإقليمية بقوتها الاقتصادية في ذلك المشروع خوفا من التمدد التركي في المنطقة.
التواجد التركي في شمال غرب سوريا عرقل أحلام الميليشيات الإنفصالية في إنشاء دولة لها منفذ على المتوسط، وتلك الأحلام التي بدا أنها أحلام تخطت ما هو مرسوم لها من قبل واشنطن، لذلك لم تعنى الأخيرة كثيرا بموضوع عفرين وجرابلس، وربما لن تعنى كثيرا بموضوع منبج إلا أنها تريد تنازلات تركية أكثر.
تركيا حققت خطوة بمنع قيام دولة كردية كبيرة على الحدود الجنوبية وهو ما كان من شأنه تشكيل خطر على الأمن القومي التركي والاقتصاد التركي بخنق تركيا بالكامل وفصلها عن محيطها، وخطورة ذلك على وحدة الأراضي التركية ذاتها.
ويبدو أن واشنطن لا تريد إقامة دولة كردية واحدة تضم من في شمال العراق وشمال سوريا، إنما تريد إنشاء دول متنافسة متصارعة وإن كانت من ذات القومية إلا أنها مختلفة في الفكر والتوجهات، وتستمر واشنطن بذلك في استنزاف المنطقة اقتصاديا وعسكريا من خلالها.
يعود اليوم موضوع مدينتي منبج وتل رفعت إلى الواجهة مجددا حيث حدد رئيس تركيا أكثر من مرة أنها ستكون وجهتهم بعد عفرين، إلا أن ملف مدينة منبج الخاضعة لسيطرة ميليشيا “وحدات حماية الشعب الكردي” يفرض على حكومة أنقرة التفاهم مع إدارة واشنطن، فيما عليها التفاهم مع حكومة موسكو حول مدينة تل رفعت التي تضم ميليشيات كردية إلى جانب ميليشيات نظام الأسد.
تراجع القوات الأمريكية أو أي قوات تابعة للتحالف الدولي عن مدينة منبج شمال شرق حلب، يخضع لتفاهمات أمريكية تركية، لكن ما الذي يدفع واشنطن إلى ترك منبج؟ ربما رغبة لدى واشنطن بتوريط تركيا بمزيد من المساحات في سوريا التي تتطلب تحركات من الجيش التركي ترهق الاقتصاد التركي وبالتالي مزيد من الأزمات الداخلية في تركيا.
وربما يبدو من الواضح وجود صعوبات كبيرة لدى تركيا في إدارة المناطق التي خضعت لنفوذها شمال سوريا، ويبدو أن فصائل الجيش السوري الحر ما زالت على قدر كبير من عدم الانضباط وهو ما يعني مزيدا من المشاكل وتأخر في إعادة بناء تلك المنطقة فضلا عن ازدحامها بآلاف المهجّرين.
اليوم واشنطن تقوم عبر دعم مادي سعودي بتجهيز ما يسمى بـ”حرس الحدود” الذي سيحمي إقليم شمال شرق سوريا من خلال الانتشار على طول نهر الفرات وفق معلومات مسربة، وذلك مقدمة لوضع حدود تلك الدولة المستقبلية، ذلك الأمر يثير تحفظات أنقرة لكنها لن تستطيع منع حدوثه.
أما بالنسبة لتل رفعت فالتّفاهم مع روسيا مرتبط بقدرتها على دفع أنقرة لمزيد من التنازلات خاصة فيما يخص بالمعارضة ودعوتها إلى القبول بالذهاب إلى سوتشي وجنيف القادمين للتصديق على الطرح الروسي لـ”الحل السياسي” الذي يفضي في النهاية إلى بقاء الأسد في الحكم عن طريق انتخابات ودستور، وربما وجدت أنقرة أخيرا نفسها مجبرة على ذلك.
تلميح النظام الأخير باحتمال شن عملية في الجنوب أو الشمال وما يدور حوله من قلق الأمم المتحدة وواشنطن، يحمل رسائل إلى تركيا التي تواصل عملية تعزيز نقاط المراقبة بدفعات عسكرية من جيشها، تتضمن حثها على دفع المعارضة أكثر لقبول بالطرح الروسي الذي يبدو وأن المجتمع الدولي قد صادق عليه بالتوافق.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث