صدى الشام- مثنى الأحمد/
كان لتغيير الخطط في بعض الأحيان والمصادفات الغريبة في أحيان أخرى، دورٌ بالغ الأثر في تحديد مستقبل عدد من اللاعبين، الذين لم يكونوا ليصلوا إلى المجد الكروي لو ظلّوا يلعبون في مراكزهم التي بدأوا مسيرتهم بها.
فمنَ اللاعبين من رسموا بداياتهم مع كرة القدم في مراكز لم تمنحهم شهرتهم الحالياً، فكان للتغيير دوره في حياتهم، ليجلب معه النجومية ويفتح لهم باب الانضمام إلى أكبر أندية العالم. والمفارقة أن هذا التغيير جاء إما لسبب فني وفقاً لرؤية المدرب، أو اضطراري لإصابة لاعب أساسي بالفريق.
وتروي بعض التجارب كيف بدأ لاعبون في مراكز دفاعية وتحوّلوا بعد ذلك ليصبحوا من أفضل مهاجمي العالم، وآخرون كانت بدايتهم في الهجوم لكنهم الآن من أبرز لاعبي خطّ الدفاع!
ولعلّ آخر أشكال النجاح في تغيير المراكز تجسّدت بتجربة سيرجيو روبيرتو، لاعب نادي برشلونة والمنتخب الإسباني الذي تحول بقرار مفاجئ من لويس إنريكي (المدرب السابق للبرسا) من لاعب خطّ وسط كان ينظر له كخليفة مستقبلي للنجم أندريس إنييستا، إلى ظهير عصري يقوم بأدواره الهجومية والدفاعية بنفس المستوى، متابعاً السير بذلك على خطى العديد من النجوم الذين سبق وأن نجحوا بعد تغيير مراكزهم على أرض الملعب.
النفّاثة
يستدعي الحديث في هذا السياق أن يتمّ التطرّق لما جرى مع الدولي الويلزي غاريث بيل، حيث بدأ ممارسته لكرة القدم كظهير أيسر عرفَ تكوينه الكروي مع نادي ساوثهامبتون الإنجليزي الذي نجح كشّافته برصد موهبة بيل منذ أن كان لاعباً لفريق مدرسته “هيتشورس هاي سكول” الواقعة في العاصمة الويلزيّة كارديف.
ولم يكن بيل لاعباً سيّئاً في مركزه بل إنّ تألقه في هذا المركز دفعَ نادي توتنهام هوتسبير للتعاقد معه على أساس لعبه كظهير أيسر، لكنّ نقطة التحوّل في مسيرة اللاعب كانت برؤية فنية من المدرّب الإنجليزي هاري ريدناب الذي لاحظ تميّز غاريث بالحيوية والاندفاع والسرعة في الاختراق، وعليه جاء القرار بتغيير مركز بيل ليصبح لاعب جناح في الخط الهجومي.
وسرعان ما اكتسب بيل الخبرة وبانت عليه الثقة بالنفس بعد لعبه كجناح متقدّم، ثم تطويره لسرعته وقوته البدنية إضافة إلى مهارته في التسديد خصوصاً من الكرات الثابتة، هذه الميزات جعلت منه أغلى لاعب في العالم في فترة ما بعد أن دفع ريال مدريد 100 مليون يورو لقاء الحصول على خدماته مطلع موسم 2014/2013.
“الوحش”
تعاقَد برشلونة بداية موسم 2011/2010 مع اللاعب الأرجنتيني خافيير ماسكيرانو بعد المستوى الذي ظهر عليه مع ليفربول الإنجليزي حيث كان يشكل مع تشابي ألونسو ثنائيّاً اعتُبر في تلك الفترة من أميز خطوط الوسط في أوروبا.
ومنذ ذلك الموسم وحتى مغادرته النادي الكتالوني خلال الانتقالات الشتوية، شكّل ماسكيرانو الملقّب من قبل الجماهير بـ “الوحش” الإضافة الحقيقيّة لتشكيلة برشلونة لكن ليس في مركزه الذي اعتاد اللعب به كلاعب خط وسط متأخر، بل كمدافع عوّضَ اعتزال “قلب الأسد” كارلوس بويل.
قرار إرجاع ماسكيرانو إلى الخط الخلفي مهّدَ له بيب غوارديولا من خلال إشراك اللاعب الأرجنتيني كمدافع في كل مرة كان يصاب بها بويول. هذه النظرة المستقبليّة من قبل المدرب الإسباني جعلت من خافيير يعيش سنوات من المجد بهذا المركز مع برشلونة، حتى بات يُصنّف من أفضل المدافعين الذين مرّوا على النادي.
بعيداً عن الغاية الأساسيّة
استغرق أليكس فيرغسون وقتاً قصيراً ليجد لاعباً يُعوّض كريستيانو رونالدو المنتقل إلى ريال مدريد في صفقة زلزلت الوسط الكروي حينها، إذ أن الأعين الكشّافة لدى “السير” كانت تراقب عن كثب فتىً أكوادوري يلعب في مركز الجناح بنادي ويغان أتلتيك بالدوري الإنجليزي، هو أنطونيو فالنسيا الذي تعاقد معه اليونايتد لتعويض مركز رونالدو، وهذا ما حصل لاحقاً لكن دون أن يستمر طويلاً.
تعويض لاعب بحجم كريستيانو لم يكن بالأمر الهيّن على الإطلاق بالنسبة لفالنسيا الذي وجد نفسه تحت ضغط كبير من قبل جماهير النادي ما جعل أدائه يمرّ بفترات تذبذب أجلسته بالنتيجة على دكّة البدلاء في بعض الأوقات.
وبالنسبة لليونايتد فإن تعويض البرتغالي المنتقل إلى الريال لم يحصل حتى يومنا هذا، رغم العديد من الصفقات التي أجراها النادي في سبيل ذلك، في وقت قادت بالصدفة فالنسيا ليكون أفضل لاعبي الشياطين الحمر وأوروبا لكن على مستوى خط الدفاع، حيث أُجبِر فيرغسون في إحدى مباريات الدوري الإنجليزي موسم 2011 على إشراك اللاعب الإكوادوري كظهير أيمن في تبديل إضطراري، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن يقدم أنطونيو مستويات مميزة في هذا المركز.
الغزال الأسمر
يُعتبر المهاجم الفرنسي تيري هنري أعظم من عُرفوا بهزّ الشباك بعد مسيرة كروية عاش مجدها الأكبر مع أرسنال ومن بعده برشلونة، لكنّ المجهول بالنسبة للبعض أن الهداف الملقب بـ “الغزال الأسمر” بدأ مشواره في كرة القدم كلاعب جناح مع موناكو قبل أن يتحول إلى مهاجم صريح.
تميّز هنري بسرعته الكبيرة ومراوغاته الناجحة مما دفع نادي يوفنتوس للتعاقد معه في تجربة لم يكتب لها النجاح داخل أجواء الكالتشيو التي تتميز بالاعتماد على القوة البدنية وإغلاق المساحات، وهذا ما لم يقدر تيري على التأقلم معه.
ويعود الفضل بنجاح مسيرة هنري مع المستديرة إلى مواطنه آرسين فينغر الذي عمل أولاً على إخراجه من “جحيم” إيطاليا ونقله إلى أرسنال، ثم تغيير مركزه إلى رأس حربة صريح، ليتغير من بعدها كل شيء في حياة اللاعب الذي أصبح الهدّاف الأول في تاريخ الـ “غانرز”، وكابوساً بالنسبة لمدافعي الدوري الإنجليزي والإسباني من بعده.
سفّاح الـ “غانرز”
تسببت الرؤية الفنيّة لـ أرسين فينغر بتغير حياة لاعب آخر لعب تحت إشراف المدرب الفرنسي في فترة من الفترات، والحديث هنا عن الهولندي روبن فان بيرسي الملقب بـ “السفاح” من قبل جماهير أرسنال، والذي بدأ مسيرته الكروية كمدافع أيسر مع فينورد بالدوري الهولندي.
وعرفت مسيرة روبن مع فينغر نقطتي تحوّل؛ الأولى عندما أصبح لاعباً في مركز الجناح الأيسر حيث شكّل ثنائيّاً هجوميّاً مرعباً مع تيري هنري، والثانية حين تحوّل إلى مهاجم صريح بعد رحيل الفرنسي إلى برشلونة.
رحيل هنري وحُسن التوظيف من قبل المدرب فينغر ساهما كثيراً في جعل فان بيرسي أحد أفضل هدّافي القارة العجوز، بعد أن كان يشغل أدواراً دفاعيّة لم تمنحه التميّز في عالم كرة القدم.
الأخطبوط
يُعدّ جانلويجي بوفون أفضل حارس مرمى على مرّ التاريخ بشهادة أغلب لاعبي ومدربي كرة القدم ومتابعيها أيضاً، وذلك بالنظر لمسيرة الإيطالي الغنيّة عن التعريف، إلا أن رؤية هذه الأسطورة التي تعيش حالياً عامها الـ 22 على ملاعب كرة القدم ربما لم تكن لتحصل لولا الصدفة التي حوّلت بوفون إلى حارس مرمى!
بدأ بوفون مشواره الكروي مع شباب نادي بارما كلاعب خطّ وسط، رغم أنه ينحدر من عائلة عرفت بممارستها لرياضات تعتمد على استخدام اليد ( شقيقتاه في الكرة الطائرة، ووالدته في رياضة رمي القرص، ووالده في رفع الأثقال). وشاء القدر أن يصاب الحارس الأساسي لبارما ليضطرّ مدرب الفريق إلى تعويضه بـ جيجي في قرار جاء ربما اعتماداً على جينات بوفون الوراثية وليس على شيء آخر!
وبعد أسبوعين فقط من شغله مركز حراسة المرمى لفت بوفون أنظار الإدارة الفنيّة للفريق الأول لتتم ترقيته بعد ذلك ويصبح حارساً احتياطياً لفترة قصيرة أجبر بعدها الفنيين على وضعه كحارس أساسيّ ومن بعدها شق طريقه نحو المجد الكروي.
آخرون
كثيرة هي الأسماء التي مرّت بالتجربة ذاتها في الملاعب العالميّة، فهناك نجوم آخرون تميّزوا عبر تاريخ كرة القدم بعد تغيير مراكزهم، أمثال الألماني فرانتس بيكنباور الذي بدأ مسيرته الكروية كلاعب خطّ وسط مهاجم في صفوف بايرن ميونيخ عام 1964 وبعد مونديال 1966 لعب بكنباور كليبرو في وسط الملعب.
وهناك مواطنه باستيان شفاينشتايغر الذي تحوّل تحت قيادة فان خال من جناح أيمن إلى لاعب وسط مدافع. يضاف إلى هؤلاء بول سكولز الذي بدأ مسيرته كمهاجم ولكنه لم يستمرّ في هذا المركز سوى لموسم واحد ثم تحوّل للاعب خطّ وسط بعد إصابة روي كين، إضافةً للساحر الإيطالي أندريا بيرلو الذي أجبر على اللعب في مركز خط الوسط نظراً لتواجد الأسطورة روبيرتو باجيو بنفس مركزه خلف المهاجمين كصانع ألعاب عندما كانا يلعبان لنادي بريشيا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث