صدى الشام _ جلال بكور/
ممّا يتكوّن دماغ الشخص المؤيد للقتل؟! يمكن لأي إنسان أن يكون مجرماً في ظرف ما نتيجة حالة نفسية أو نتيجة مأزق معين وهذه الحالة تنطبق على آلاف الناس من ضمن مليارات تسكن الكرة الأرضيّة، لكن ما الذي يجعل طوائف بأكملها ودولاً وممالك تؤيد بأنظمتها وصمت شعوبها قتل الأطفال وإبادتهم في الغوطة الشرقية المحاصرة؟
الدول “العظمى” الصامتة مشاركة في القتل بصمتها لأن تلك الدول قادرة على وقف هذه المقتلة والمجزرة الشنيعة التي يرتكبها أكثر نظام إجرامي شهدته العصور الحديثة، الانتقادات التي توجّهها تلك الدول “صديقة وشقيقة الشعب السوري”، والأسف والقلق والاستنكار والإدانة كلها دموع تماسيح لا أكثر، وربما يمكن وصفها بـ “قاتل القتيل والسائر في جنازته”.
لا عجب بمن أيّد نظام القتل والإجرام لسبع سنوات كاملة بحجة أنه يحارب الإرهاب والتكفيريين ويحافظ على وحدة سوريا وما إلى ذلك من شعارات، أن نجده يتغنّى بها كونه يؤيّد نظام الأسد المجرم، لكن العجب في أن يطلب هؤلاء المؤيدون من هذا النظام إبادة الأطفال والنساء في الغوطة، ويطالبون بما سموه “الحسم” عن طريق إحراق الجميع! أي أن من تغنّى أعواماً بـ “الفسيفساء السورية” يطلب صراحة إبادة أحد مكونات تلك الفسيفساء.
إذا كان الشر وحبّ القتل طبيعياً في داخل الإنسان لماذا ليس موجوداً في داخلي أنا مثلاً كما أدّعي، أو في داخل كثيرين من بني البشر الذين يقفون حقاً ضد القتل ويقفون حتى ضد قتل حيوان “حلالٌ أكله”؟ هل حب التدمير أيضاً موجود في طبيعة الإنسان، ولِمَ هو ليس موجوداً لدى كثير من الناس، وهل المصالح وتطبيقها يجعل الإنسان يرى القتل عادة طبيعية سهلة جداً كمن يسكب الماء على الأرض؟
لا يجعل الإنسان توّاقاً للقتل إلا حب الانتقام والتشفي، وكم هي حافلة بتلك الصور صفحات التاريخ في العصور القديمة والوسطى، الانتقام من أطفال ونساء في رقعة صغيرة لا تتجاوز مساحتها كيلو مترات مربعة بكل أنواع السلاح الممكنة من السكين إلى الكيمياوي.
مصالح الأنظمة العربية في تربية شعوبها ومصالح الدول العظمى في تجربة أسلحة على أهداف حية، والحصول على الثروات ونهبها، وتأمين حدود حديقة لعب الطفل المدلل إسرائيل، وانتقام نظام الحكم الطائفي من الشعب السوري الذي حاول الخروج من حظيرة الطاعة والعبودية، كلها أدوات توحّدت في آلة قتل واحدة ضد أطفال ونساء محاصرين في الغوطة منذ سنوات.
اقتربت مجزرة الكيمياوي من دخول عامها الخامس وما تزال “الدول العظمى” مختلفة على آلية التحقيق، وتشكّ بأن نظام الأسد المجرم يقف وراء الهجوم وتحذّر من هجوم آخر، ولا يُستبعد يوماً ما بعد كل ما حصل من مجازر في الغوطة أن يّتهم “المجتمع الدولي” أهل الغوطة بقتل أنفسهم وقتل أطفالهم خنقاً بغاز السارين السام، لأنهم أناس لا يحبون الحياة بل يفضلون الموت.
عندما تعجز دول لديها من الجيوش المدججة بأعتى أنواع الأسلحة القادرة على تنفيذ عمليات في أي مكان، وتسترضي النظام لكي يوافق على إدخال شاحنة حليب أطفال، فهذا دليل قاطع على أن تلك الدول مشاركة بشكل فعلي في جريمة قتل الأطفال في الغوطة، بكل بساطة يمكن لتلك الدول أن تلقي حليب الأطفال من الجو.
جريمة العصر هي حرب الإبادة في الغوطة الشرقية، وربما لاحقاً التهجير، ويشارك في هذه الجريمة كلّ من صمت وندّد وتخاذل من الدول التي تدعي صداقة وأخوّة الشعب السوري، هذه الجريمة هي أكثر من فضحهم وأظهرَتْ حقيقتهم وكذبهم طوال سنوات على الشعب الثائر الحالم بالحريّة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث