صدى الشام _ عدنان علي/
غير عابئين بالقرارات الدولية، ولا بالاتفاقات الموقعة مع تركيا في أستانا، يواصل نظام الأسد وروسيا وإيران مساعيهم لإحلال وقائع جديدة على الأرض، سواء في الشمال السوري، أو في محيط دمشق، وفي عموم البلاد، متذرعين بمحاربة “الإرهاب” وما يسمونه التنظيمات المتطرفة، بينما الهدف هو تفريغ مناطق المعارضة وخاصة ريف دمشق من سكانها وإحلال آخرين مكانهم في إطار خطط إيران للتمدد المذهبي في سوريا.
ما بعد التصويت
وفي هذا السياق، جاء قرار الهجوم على الغوطة الشرقية بريف دمشق بعد موافقة روسيا على قرار مجلس الأمن بالإعلان عن هدنة شاملة في سوريا تشمل خاصّة الغوطة التي شهدت قبل ذلك موجة قصف غير مسبوقة حصدت أرواح نحو 500 من المدنيين مع آلاف الجرحى، فضلاً عن تهديم ما تبقّى فيها من بنى تحتيّة، وخاصة المراكز الطبيّة، بعد سنوات من الحصار على المنطقة.
وشنت قوات نظام الأسد وميليشياتها، وبمشاركة جويّة روسيّة، هجوماً بريّاً على الغوطة من عدة محاور؛ الأول في منطقة المرج شرقي الغوطة والثاني من جبهة حرستا والثالث باتجاه دوما كبرى مدن الغوطة الشرقية، فضلاً عن محور جوبر، حيث هاجمت بلدتي النشابية والزريقة الخاضعة لسيطرة فصيل “جيش الإسلام” بالتزامن مع قصف جوي ومدفعي على كل من مدينتي دوما وحرستا وبلدات كفربطنا وحزرما والنشابية.
وفيما زعمت وسائل إعلام النظام تمكّن قوات الأخير من إحراز تقدّم على محور الزريقية- حزرما- النشابية، قال “جيش الاسلام” في حسابه على “تويتر” إن قوات النظام التي حاولت التقدم على جبهة سجن النساء وعلى جبهتي حوش الضواهرة وحزرما، أخفقت في تحقيق أي تقدم، وتكبّدت خسائر كبيرة، مشيراً إلى مقتل 25 عنصراً من تلك القوات في جبهة حوش الضواهرة خلال التصدي لمحاولتهم التقدم على هذا المحور، فضلاً عن مقتل وأسر عشرات آخرين على الجبهات الأخرى .
كما دارت اشتباكات بين فصائل المعارضة وقوات النظام، على جبهة طريق دمشق – حمص الدولي في محاولة من قوات النظام لاقتحام مدينة دوما، فيما واصل طيران النظام المروحي إلقاء براميل متفجرة على مدينة حرستا وأطراف بلدة الشيفونية وبلدات أخرى بينما أمطرت بلدات الغوطة بعشرات قذائف المدفعية وصواريخ أرض- ارض يحتوي بعضها مادة النابالم الحارق.
وتأتي محاولات قوات النظام اجتياح الغوطة بعد أقل من عشر ساعات من تصويت مجلس الأمن بالإجماع لصالح مشروع قرار كويتي- سويدي، لإعلان هدنة في عموم سوريا.
ويتضمن القرار 2401، الذي تأجّل التصويت عليه لأكثر من مرة بسبب الاعتراض الروسي، مطالبة جميع الأطراف بوقف إطلاق النار في كافة المناطق دون تأخير لمدة 30 يومًا على الأقل، كما ينص على السماح بإجراء الإجلاء الطبي بشكل آمن وغير مشروط، والسماح للعاملين في المجالين الطبي والإنساني بالتحرك دون عراقيل، مع التأكيد على ضرورة رفع الحصار عن جميع المناطق المأهولة بالسكان من قبل جميع الأطراف، بما في ذلك الغوطة الشرقية.
دوافع الاجتياح
ويرى مراقبون أن قوات النظام بهذا الهجوم المباغت تحاول كسب الوقت من أجل إنجاز بعض الأهداف العسكريّة والسياسيّة قبل أن تضطر إلى الالتزام بوقف إطلاق النار، مستفيدة من البند الغامض الذي أصرّت روسيا على إدخاله في نص قرار مجلس الأمن الخاص بالهدنة، والذي لا يلزم قوات النظام بالتوقف عن إطلاق النار فوراً، بل في “أسرع وقت ممكن” ما يمنح تلك القوات المسنودة بالطائرات الروسية بعض الوقت في محاولة لتحقيق ما كنت تخطط له أصلاً قبل صدور قرار مجلس الأمن وهو اجتياح الغوطة لتحقيق بعض الأهداف التكتيكية ومنها فصل منطقة المرج التي تشكل نحو ثلث الغوطة عن بقية المناطق، ومحاولة الوصول إلى عناصرها المحاصرين في إدارة المركبات العسكرية في حرستا.
وتحاول قوات النظام أولاً عزل ناحية النشابية في منطقة المرج من خلال الضغط عليها من محوري عين الزريقة، ومحور حزرما الملاصقة للنشابية، وقد حشدت خلال الايام الماضية العشرات من الميليشيات والفرق العسكرية التابعة لها، أبرزها “قوات النمر” التي قيل انها تقود العمليات العسكرية الحالية في الغوطة.
منطقة المرج
وكانت قوات النظام أحرزت خلال الفترة الماضية بعض التقدم على جبهة الزريقية في منطقة المرج بعد هجومها على نقاط لقوات المعارضة، مستخدمة الآليات الثقيلة والمدرعات، وبتغطية نارية كثيفة بصواريخ أرض-أرض من نوع “فيل”.
وبدأت تلك القوات هجومها على هذا المحور بعد يوم واحد من إطلاق المعارضة المرحلة الثانية من معركة “بأنهم ظلموا”، التي بدأت في حرستا في 29 كانون الأول 2017، وشنّت مليشيات النظام هجوماً واسعاً على جبهات منطقة المرج شملَ بلدات النشابية والبلالية وحزرما والزريقية وحوش الضواهرة وبيت نايم، وتمكّنت من التقدم إلى نقاط في مزارع البلالية بعدما استخدمت غاز الكلور السام، كما تقدمت في جبهة الزريقية وسيطرت على نقاط مهمة، واستعادت قوات المعارضة في 30 كانون الأول السيطرة على النقاط التي خسرتها في مزارع البلالية، عبر هجوم معاكس لها، قتلت خلاله عدداً من عناصر النظام.
ومع ذلك، فقد سيطر النظام على مدرسة بلدة الزريقية، وأحكم بالتالي السيطرة النارية على كامل البلدة، ورصدت قواته نارياً، من جهة الجنوب، طريق حوش الصالحية –النشابية، وهو الطريق الرئيس الوحيد الذي يصل الغوطة مع بلدات النشابية وحزرما ومزارع القاسمية والبلالية، ويعدّ هذا الطريق شريان الحياة بالنسبة لسكان تلك المناطق، كما يعدّ طريق الإمداد الرئيس لقوات المعارضة التي ترابط على تلك الجبهات.
وبعد سيطرة ميليشيات النظام على مدرسة الزريقية أصبحت على بعد كيلومترين من نقاطها المقابلة شمالي مطار مرج السلطان، وهذه هي المسافة المتبقية لاستكمال الطوق حول بلدات النشابية وحرزما ومزارع القاسمية والبلالية، كما أصبحت قوات النظام على مسافة أقل من 2 كلم عن تل فرزات الاستراتيجي؛ أعلى قمة طبيعية في الغوطة الشرقية.
ذريعة “تحرير الشام”
ويتّخذ نظام الأسد وروسيا من الوجود المحدود لعناصر “هيئة تحرير الشام” في القطاع الأوسط بالغوطة الشرقية، ذريعة لمواصلة استهداف هذه المنطقة التي تضم نحو 400 ألف نسمة، وتخضع للحصار منذ عام 2013.
وقال وائل علوان الناطق باسم “فيلق الرحمن” الفصيل الرئيس الآخر العامل في الغوطة إلى جانب “جيش الاسلام” إن عناصر الهيئة ليس لهم أي وجود على جبهات القتال في أي محور، وليس لهم مراكز عسكرية، وعددهم لا يتعدى 240 شخصاً، من أصل 400 ألف من سكان الغوطة.
وأوضح أن روسيا عطّلت في تشرين الثاني من العام الماضي في اللحظات الأخيرة خروج هؤلاء إلى شمالي سوريا بموجب اتفاق تم بينها وبين كل من “فيلق الرحمن” و”جيش الإسلام” اللذين قدّما لروسيا قوائم بأسماء عناصر “الهيئة” وطريقة خروجهم من الغوطة الشرقية.
وأضاف أن الجانب الروسي أبلغنا في حينه في اللحظة الأخيرة أنه غير جاهز لإتمام هذه العملية بحجة عدم توفر وسائل نقل تارة وعدم جاهزية المكان الذي سيذهب إليه عناصر هيئة تحرير الشام (النصرة) تارة أخرى، لتبدأ بعد ذلك عمليات القصف على الغوطة الشرقية.
ورأى أن روسيا أبقت على ذريعة وجود “هيئة تحرير الشام” ولم تلتزم بإخراجهم من أجل مواصلة قصف المدنيين والفصائل بالغوطة الشرقية.
وكان قد بدأ التحضير لإخراج عناصر وعوائل عناصر “هيئة تحرير الشام” من جنسيات أجنبية بموجب اتفاق أبرمه “فيلق الرحمن” التابع للجيش السوري الحر مع روسيا، تبعه خلاف داخل “الهيئة ” قبل أن يتم التوافق بينهم على الخروج.
وأوضح علوان ان عناصر النصرة في الغوطة ينتشرون في القطاع الأوسط دون مقرات أو وجود على خطوط القتال، مشيراً إلى أن خمسين منهم ليسوا من أبناء الغوطة، وذلك مقابل انتشار عشرات آلاف المقاتلين من الجيش السوري الحر إضافة لـ “جيش الإسلام” وحركة “أحرار الشام” عند خطوط التماس ضد قوات النظام بالغوطة الشرقية.
عملية عفرين
وفي شمالي البلاد، سيطرت فصائل المعارضة السورية، المدعومة من الجيش التركي على المزيد من القرى في منطقة عفرين على محوري راجو وميدان إكبس، وتمكنت من محاصرة ناحية جنديرس من ثلاث جهات، وسط تسارع في انهيار دفاعات المليشيات الكردية.
وقالت فصائل “غصن الزيتون”، في بيان نشر على حسابها الرسمي على “تويتر”، إن “فصائل الجيش الحر” سيطرت على قريتي مسكوتة وسملكان، على محور راجو في منطقة عفرين، وعلى قرى سمالك وشيخ محمدلي وبلكلي وكوندا دودو في محور ميدان إكبس شمال غرب عفرين، وذلك بعد معارك خاضتها فصائل المعارضة بإسناد من الجيش التركي ضد “وحدات حماية الشعب” الكردية.
كما نجحت الفصائل العسكرية في إحكام قبضتها على معسكرات عمرانلي في محور شران بريف عفرين، بعد معارك عنيفة مع ميليشيات الحماية الكردية.
ومع سيطرة “الجيش الحر” على هذه القرى، يصبح قريباً من قطع طريق “الوحدات” باتجاه بلدة ميدان إكبس الحدودية مع تركيا، إضافة إلى اقترابه من وصل مناطق سيطرته بين ناحية بلبل شمال عفرين وناحية راجو غربها، ليبقى أمامه بعدها منطقة يقدّر عرضها بنحو 8 كم في ناحية الشيخ حديد، ليحكم سيطرته على الشريط الحدودي بالكامل.
وكانت مصادر عسكريّة في “الجيش الحر” ذكرت أن العمليات العسكريّة بدأت تأخذ طابعاً جديداً، مع الانتهاء من “معارك القرى” باتجاه الدخول في “معارك المدن”، حيث تم الزج بنوعية جديدة من القوات المدرّبة على حرب المدن.
اشتباكات الشمال
وبالتوازي مع هذه التطورات، تواصلت الاشتباكات بين “جبهة تحرير سوريا” المشكّلة حديثاً من “حركة أحرار الشام” وكتائب نور الدين الزنكي، و”هيئة تحرير الشام” حيث تبادل الجانبان السيطرة على بلدات وقرى محافظة إدلب وريف حلب الغربي.
وقال ناشطون إن “تحرير سوريا” بمشاركة “لواء صقور الشام” سيطروا على مدينة أريحا وأجزاء من قرية مرعيان في جبل الزاوية بعد مواجهات مع “تحرير الشام”، كما تمكنوا من السيطرة على قريتي ترملا والرامي في جبل الزاوية، فيما تدور اشتباكات بين الطرفين في مدينة معرة النعمان، وسط استنفار للحواجز.
والاقتتال الجديد ليس الأول من نوعه بين الطرفين، حيث نشب نزاع مسلح في شهر تشرين الثاني من العام الفائت بين الجهتين، أسفر عن قتلى وأسرى لكل منهما، قبل أن يُفضّ باتفاق رعته المجالس المحلية ووجهاء ريف حلب الغربي.
ونص الاتفاق آنذاك على وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى من الطرفين وتشكيل لجنة من الوجهاء لفضّ القضايا والخلافات العالقة بين الجانبين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث