صدى الشام _ فيصل عكلة/
لم يخطر لي على بال أن هذه الجلسة هي الأخيرة مع أبي خالد، رغم كل الامراض التي يعاني منها وتتوزع بالتساوي على كل أنحاء جسمه، كنت أمازحه قائلاً: “نيالك يا درويش (كما كان ينادى في إشارة إلى طيبة قلبه وبساطته) حتى الأمراض عادلة معك، لم تترك جزءًا منك يعتب عليها!”.
أصحاب الدرويش كانوا يستثمرون طيبته الشديدة في صنع بعض المقالب فيه، حيث يختبئ بعضهم خلف الباب وينادي عليه آخر وينقل إليه بعض الكلمات الاستفزازية عن أن عديله حسن (وهو من المختفين خلف الباب) يقول عنك كذا وكذا، ليبدأ أبو خالد بتوجيه الشتائم والمسبات وفجأة يظهر العديل ويضع الدرويش في موقف لا يحسد عليه!
وعندما طلبت منه تأكيد تلك المقالب أومأ أبو خالد بذقنه وضحك على دفعات وهو يلفّ سيجارته بعد أن قضم حوافها ورطّبها من ريقه وحشرها بالمشرب المتفسخ وتنهّد طويلاً وهو ينفث دخان سحبته الأولى، وقال: “الله ..الله على تلك الأيام ما أحلاها”.
ويروي الدرويش إحدى المقالب القديمة قائلاً: “مرّةً كنت أعمل في لبنان ووصل إليّ مكتوب وقد حُرقت كل زواياه، وهذا دليل على أنً ثمة حدثاً جللاً في القرية، فرحت أبحث عمّن يقرأ لي الرسالة ووجدت أحدهم وقلت له: هل أصاب أحد الأولاد شيء ما، أم أن أم خالد مرضت، أم البقرة فطست، أم ماذا؟ حينها ضحك أصدقائي كثيراً وهم يعترفون أنهم من كتبوا الرسالة وحرقوا حوافها”.
ولا يفوت الدرويش أن يستعيد شيئاً من دفء ذكرياته “هديك الأيام يا أستاذ كنا ندرس الحصيد على البيدر وأنت تعرف الحيلان وشكارات الحنطة والشعير، وكنت الصغير بين إخوتي وعلى عاتقي الجلوس اليوم على ظهر الحيلان الخشبي تحت الشمس الحارقة، لأدور حول الشكارة دون كلل، تلك وحدها كانت مهمة شاقة ناهيك عن الغبار المتطاير في الهواء، حتى البغلة التي كانت تجرّ الحيلان كانت تمشي الهوينى وتنحني فجأة لتلتقط بعض الشعير”.
ويستطرد الدرويش في بعض من حميم الذكريات “بيدر أهلك قريب من بيدرنا، وكان أبوك رحمه الله يمضي النهار مع أبي والجيران عن حكايا الماضي وأحداث الحصاد وأسعار الحنطة والشعير، أما عندما كانت تأتي خالتي وهي تحمل طنجرة الإفطار على رأسها، كان والدك يصيح: عبببد ..جاءتك اللبنية! وأبدأ بالسب والشتم على هذه الأكلة التي كانت تتكرر كل صباح رغم أني كنت أمقتها، ويضحك طويلاً فهو يعرف أني لا أحبها، ويصيح أحياناً: يا نمورة .. يا غزل البنات.. وألحّ على أخي أن يترك لي بعض الحنطة بعد فصلها عن التبن لأضعها في حجري وانطلق كالسهم باحثاً عن بائع الحلوى ولأكتشف بعد فوات الأوان أنه هو من كان ينادي وليس البائع، كنت أراه سعيداً وهو يراني وقد عدت خالي الوفاض من الحلوى وأنا أرغي وأزبد”.
هذه الذكريات ليس حكراً على الدرويش، بل إننا نتشاركها بمعظم تفاصيلها لنتذكر كيف كنا نتحلّق نحن وكل جيراننا حول السفرة التي تقتصر على الطناجر وفيها المخلوطة واللبنية للإفطار والمجدرة للغداء والشوربة للعشاء، وفي أفضل الأحوال كان هناك البطاطا المقلية أومسقعة الباذنجان.
كانت البلدة قديماً تضمّ عدداً قليلاً من الحارات المتجاورة والتي تفضي كلها إلى ساحة عامة تملأ حوافها مساطب حجرية يجتمع عليها الناس طيلة النهار يتبادلون أطراف الحديث، وفي السهرة يصعدون إلى السطح يتحلقون حول أبو خليل الذي يحكي قصص الحروب القديمة ومعارك عنترة، ويتفاعل الحضور ومنهم من يشجع هذا أو ذاك.
كم كان ذاك الزمن جميلاً رغم الفقر والعمل الشاق، كنا سعداء أكثر من هذا الزمان، ما الذي تغير؟ لست أدري!
كم تمنيت يا أبا خالد لو أن تلك الجلسة الأخيرة التي جمعتني بك طالت أكثر.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث