صدى الشام- يزن شهداوي/
ليس اللجوء إلى الشعوذة أمراً جديداً في سوريا خصوصاً عندما تتوفر لها الظروف متمثلة بالجهل وانعدام الحلول في مواجهة مصاعب الحياة، لكن ما مرّت به البلاد منذ نحو سبع سنوات كان كفيلاً باتساع نطاق عمل المشعوذين وازدياد زبائنهم وضحاياهم ممكن لم يكونوا ربما يفكرون باللجوء إلى ذلك قبل سنوات.
ولعل الجديد في الآونة الأخيرة ألّا تقتصر الشعوذة على الأحياء الشعبية والفقيرة، بل أن تنتشر وتجد إقبالاً في الأحياء الغنيّة أيضاً، وبحماية علنية من قبل أجهزة النظام وذلك في ظل تواجد أماكن عمل المشعوذين قرب المفارز والأفرع الأمنية.
دجَل
بات اللجوء للسّحر والمشعوذين هذه الأيام يأتي لأسباب ومبررات لم تكن موجودة من قبل، أهمها البحث عن المفقودين من أزواج وأبناء العائلات السورية القابعين في سجون النظام.
في دمشق وحلب تحديداً أصبح هناك كثيرون يذهبون إلى السّحرة بحثاً عن أي معلومات عن مفقود من أبنائهم وذويهم، عسى أن يجدوا فيما يقوله المشعوذ بارقة أمل، حتى وإن كان المنطق والعقل يقول بكذب هذه الأساليب وبأن حلول هذه المشكلات لا يمكن أن تأتي من “عالم الجن”، لكن كل ذلك لم يعد مقياساً لمن يقوده الجهل واليأس والعاطفة نحو خيارات من هذا النوع.
وتتفاقم المشكلة مع اقتناع بعض الناس بجدوى التجربة، لتتضح الصورة لاحقاً وتنكشف حقيقة الدجل، يقول الشاب العشريني عمر، من سكان مدينة دمشق، لـ “صدى الشام” إنه كانت هناك ” تجارب ناجحة” لعائلات مع بعض المشعوذين، فالساحرة أم عبدو كانت تتنبأ بشكل دقيق بمكان وجود العديد من الشبّان في سجون النظام وبمواعيد خروجهم من المعتقلات، ولكن وبعد فترة من الزمن تم كشف سبب هذا النجاح في معلوماتها الدقيقة والتي اقتنع بها العشرات وظنوا أنها حقاً ناتجة عن صلة بالجن والعالم الآخر”، ويوضح عمر: ” كانت الساحرة على صلة قوية بضباط من رتب رفيعة ضمن أجهزة النظام الأمنية، وكانت تلجأ إليهم للحصول على أي معلومة تريدها عن أي معتقل، وكانت باستطاعتها إطلاق سراح بعض المعتقلين ممن كانت لديهم تُهم السياسية بسيطة، لتكون بمثابة وسيط مالي بين أهالي المعتقلين وضباط النظام في إطلاق سراح بعض المعتقلين”.
ومن الأسباب الأخرى للجوء إلى المشعوذين هاجس بعض الشباب المتعلق بالتسريح من الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية في قوات النظام، وقد ضجّت بهذه الظاهرة صفحات التواصل الاجتماعي، والتي تناقلت خبر القبض على مشعوذة تدعى أم سميح، وتدّعي بأنها تكتب “حجاب سحري” يؤمّن للشاب التسريح الصحّي، وقد قامت فعلاً بتسريح عدد من الشبّان وليس بالتعاون مع متنفذين في إدارة التجنيد العامة في دمشق، وتم كشفها من قبل فرع الأمن الجنائي، لكن إيقافها لم يستمرّ أكثر من 24 ساعة ليتم إطلاق سراحها.
عبارات ورسومات!
من جهة ثانية كان للفتيات نصيب كبير من عالم السحر والشعوذة، فقد انتشرت أيضاً ظاهرة الزواج عبر المشعوذات اللاتي يقمن بكتابة حجاب للفتاة من أجل جلب النصيب والزواج لها، وقد اشتهرت في دمشق المشعوذة أم شكيب، والتي بات الناس يتناقلون اسمها على أنها مختصة بـ ” جلب الحبيب”!، فضلاً عن مشعوذين آخرين اعتاد البعض على الذهاب إليهم بدافع “طلب الرزق والمال والأولاد، وحل المشكلات الزوجية، والتخلص من شخص ما، وغيرها الكثير” وفق مصادر محلية تحدثت لـ “صدى الشام”.
ولا يدّخر المشعوذون طريقة او أسلوباً لتحقيق مكاسبهم وأرباحهم، حتى لو كان ذلك عن طريق ما يعرف بـ “السحر الأسود”.
تقول سعاد، الشابة الجامعية التي تعيش في دمشق، إن الخطر يتمثل في فعل ما يطلبه المشعوذ مهما كان “من أجل إرضاء الجن، حسبما يدعي”.
وفي أحد القبور بدمشق تمّ العثور على صورة لفتاة عشرينية وقد لُوّثت بالدماء، وكتب عليها عبارات بلغة غريبة وبإيحاءات ورسومات غير مفهومة، وبالتقصي تبيّن أنها شكل من أشكال السحر الأسود.
ملايين
تشير سعاد إلى أن النساء يمثّلن “الفريسة الأسهل للسحرة نظراً لغلبة مشاعرها والانفعالات في كثير من الأحيان على تحكيم العقل لدى بعض النسوة، الأمر الذي يسّهل استمالتها أكثر من الرجل بالنسبة للسحرة والدجالين، خاصة في الأمور المتعلقة بفقدان أزواجهن وأبنائهنّ، أو في أمور تخص العلاقات الغرامية”، وتضيف أن اللجوء للسحر قد يكلّف الكثير من المال أحياناً ” فالبحث عن مفقود يستوجب دفع نصف مليون ليرة سورية قبل البدء بالسحر، ومليون ليرة عند إعطاء أي معلومة صحيحة، علاوةً على الابتزاز المالي الدائم بخصوص أي معلومة أخرى قد يريدها الشخص عن المفقود، وقد تصل هذه المبالغ لأكثر من ذلك بأضعاف إن كانت هذه الساحرة تملك تجارب ناجحة في العثور على المفقودين”.
أما فيما يخص العلاقات الزوجية والغرامية فإن تكاليفها تصل إلى ما يقارب مئتي ألف ليرة، “وفي النهاية قد تختلف هذه الأسعار حسب المنطقة التي يعمل فيها المشعوذ والمستوى المعيشي لزبائنه، والمطلوب منه”.
وتحاول أفرع الأمن الجنائي التابعة للنظام ضبط هذه المسألة عبر ملاحقة السحرة والمشعوذين، ولكن سلطة بعض هؤلاء وعلاقاتهم الأمنية تقف عائقاً أمام محاسبتهم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث