أمي (3-3)

صدى الشام _ فيصل عكلة/

كانت ترافق أبي إلى البازار في المعرة لشراء حاجات المنزل ولم تكن الأسواق والمحال  التجارية  قد وصلت بلدتنا بعد. تبدأ أمي في شراء ما ما طلبه الناس منها، وتقول لأبي إن فلانة أوصت على كذا، وزوجة فلان طلبت كذا وأختي وجارتي وأم فلان تريد كذا. وينفد صبر أبي ويطلب منها تأجيل شراء أغراضنا إلى الأسبوع القادم  والاكتفاء هذا البازار بشراء “التواصي”.

وفي أيام رمضان كانت تصر على أن يكون الإفطار في بيتها. تجلس أمي بعد أن تجهز الإفطاره لتبديل صحون الطعام  الواردة اليها من الأقارب و الجيران فيما بينهم، حيث تضع إلى جانبها بضعة قطع نقدية، وكل ولد يأتي إليها تعطيه عشر ليرات وصحن آخر غير الذي جاء به، وعندما أطلب منها ترك بعض الأطباق لها ولأختي التي تعيش معها تقول: “دي ابني ..هو الصايم عينه فارغة ..ما بضل غير اللي بيتوزع”.

في مثل هذه الأيام وقبيل قطاف الزيتون، كنت أرافق أمي وأخواتي إلى أرض الزيتون لنجمع ثماره المتساقطة والتي كانت أمي تسميها “الجرجير”. تعزل أمي حبات الجرجير الكبيرة وتخرج منها نواتها لتخبز منها في اليوم التالي على التنور خبز بعطانة، أما الثمار الصغيرة و المتيبسة فتضعها في جرن السميدة وتبدأ رحلة الدق عبر حركة رتيبة متغيرة المدى وثابتة التردد، وأظن أنها ربما تكون قد ورثتها عمن سبقها!

تصفّي أمي المزيج فوق طنجرة النحاس ذات الزنار الذهبي عبر شاشية زهرية اللون وتزيل طبقة الزيت الذهبية الرقيقة من على سطح المزيج.

في الأيام العادية تضع أمي الإفطار في الصباح وفيه خبز العطانة وإلى جانبه طاسة زيت الجرجير اللذيذ و”كلول” البندورة كما تطلق عليها على مصطبة التنور، ويتحلق حولها بعض الأقرباء والجيران التي جمعتهم رائحة خبز التنور وأصوات الرق على الأرغفة إضافة إلى دعوات أمي التي توزعها على كل من يمرّ في الطريق.

بعد الإفطار تضع أمي كبسة من خبز التنور بين يدي و توصيني: “سلم عليهن وعطي تلاتة لحج جورية وتلاتة لخالتك نعوس تلاتة لعمتك أمون و تنتين لأم علي لأنها وحدانية”. وتضحك أمي وتقول :” قول الهن هاد الخبز بيغسل صدا البطن”.

كنتُ أجلس قربهن ذات صباح تحت الليوان استرقُ السمع إلى الحكايا القديمة وأشاركهن الضحك في بعض الأحيان دون معرفة السبب، وبعد بعض الهمسات نادت عليّ الحاجة جورية وقالت لي سلّم على أمك وقل لها : “خالتي جورية بدها شوية بندورة”. وأنزل الدرج الحجري القديم وأنقل الرسالة لأمي وتطلب مني فتح حجري وتضع فيه أقراص البندورة الصغيرة.

وبعد أن أفرغ حمولتي بين يديهن، تطلب عمتي أمون مني نفس الطلب و أعود إلى أمي مسرعاً وأفتح حجري وأنقل لها طلب عمتي ولكنها تصيح بي :” أبوك على أبو عماتك على أبو خالاتك!”. وأعود إليهن خالي الوفاض هذه المرة لأجدهن يضحكن ويضربن كفاً بكف فقد وصلن إلى استفزاز أمي!

زرت أم حسين ذات يوم وهي من صديقات أمي القديمات حين كانت في مرضها الأخير. كان نظر أم حسين يجوب أجواء البيت وتسترق بين الفينة والأخرى نظرة لي ولابنها من الجهة الثانية.

هل عاد إلى ذاكرتك الآن يا أم حسين يوم كنتِ مع أمي وبعض النسوة تحملن طناجر اللبن إلى سوق المعرة مشياً على الأقدام في الدروب الموحلة و الموحشة حيث لم يكن الأسفلت قد وصل مناطقنا بعد و السيارات أيضاً لم تحطّ رحالها عندنا.

عشرون كيلومتراً ما بين ذهاب و إياب يقطعنها كل يوم. تلك المسافة تستوجب منهن الانطلاق قبل أن يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر والعودة لعمل البيت.

أم تذكرين يوم كنتِ مع أمي تستقيان الماء من الهوَة و تقطعن عدة كيلومترات، وعلى مشارف القرية شاهدت أمي بقرة مربوطة على البيدر يبدو عليها العطش وتضع أمي السطل أمامها وتشرب البقرة حتى ترتوي وتنقلب أمي عائدة الى نبع الماء لتملأه من جديد، وكنت تقولين عنها :” يا لها من مجنونة!.

حتى بعد تخرجي من كلية الهندسة الكهربائية وعندما كان يفصل قاطع الكهرباء في المنزل لسبب ما وأحاول وصله، تصرخ بي أن أترك ذلك لأني -حسب ما ترى- لا أفهم بهذه الأمور، وتطلب من جارنا المبلط وصل القاطع!

حكَت أنها ذات يوم لم تكن تملك سوى خمس ليرات، وكان أخي الكبير طالباً في الإعدادي ومدلّلاً عندها وطلب منها أجرة الطريق لأنه ينوي النزول إلى المعرة مع زملائه فأعطته إياها، وجاء بعد قليل من يخبرها أنه ذهب إلى حلب وأن هناك مظاهرة فيها على أيام الوحدة، وأن ثمة خطراً عليه. حينذاك حارت أمي ماذا تفعل وذهبت مشياً على قدميها إلى المعرة  فلم تكن السيارات متوفرة تلك الأيام، ووقفت عند كراج حلب تنتظر أخي و أرادت أن تنذر نذراً إن عاد سالماً، وماذا تنذر ولم يكن في جيبها قرش واحداً؟  نذرت أمي أن يصيبها مرض أي مرض إن عاد، ورجع أخي سالماً ومرضت أمي وكانت تقول دائماً :كم كنت سعيدة بذاك المرض.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *