صدى الشام- مثنى الأحمد/
نتيجة لموجة النزوح الكبيرة التي شهدتها أوروبا في الأعوام الخمس الأخيرة، أخذت بعض الأسماء العربية تظهر عبر وسائل الإعلام كمواهب كروية ينتظرها مستقبل مشرق في ملاعب القارة العجوز. ولعل آخر هذه المواهب هو الطفل السوري “الحارث ماهر المصطفى” الذي هاجر من بلاده في 2013 مع والديه وبات الآن يُلقب بـ “ميسي السويد”.
لكن موجة اللاجئين هذه لم تكن الأولى في تاريخ أوروبا، فقد شهدت السنوات السبعين الأخيرة موجات هجرة مماثلة بعد الحروب التي عاشتها أوروبا لسنوات من الحرب العالمية الأولى إلى الثانية، مروراً بالتغريبة الفلسطينية ومن بعدها هجرة أبناء دول البلقان أوائل التسعينات من القرن الماضي، قبل أن تشهد بداية الألفية الثانية موجة نزوح أخرى كان سببها الحرب على العراق، هذا إلى جانب هجرة الأفارقة الهاربين بشكل مستمر من الفقر والجوع في بلدانهم.
ومن جهتها لم تَغفَل الدول الأوروبية عن الإمكانيات الفنية العالية التي ظهرت بين أبناء المهاجرين، وعلى مبدأ “التصالح والمصالح” قامت هذه الدول باحتضان المواهب المهاجرة إليها ووفرت لها كل فرص التطور ثم قدمتها لاحقًا كأسماء كبيرة سطعت في سماء أشهر الدوريات والأندية العالمية.
ملك كتالونيا
إذا كان ريال مدريد يمتلك أسطورة مجرية تتمثل باللاعب بوشكاش، فإن نادي برشلونة يمتلك أسطورة مجرية أخرى إلا وهي “لاديسلاو كوبالا”، أحد أفضل لاعبي البلوغرانا في القرن العشرين بدون أدنى شك، فقد كان هذا اللاعب هدافاً مميزاً في تاريخ النادي الكتالوني وفي رصيده 131 هدفاً وأربعة ألقاب دوري، ليكون الأشهر في الفريق خلال فترة الخمسينات.
ولد كوبالا في دولة المجر عام 1927 لأب يعمل في البناء، وأم تعمل في مصنع للورق المقوى، وفي سن مبكرة لمعت موهبته مع نادي فيرنسفاروس، وانضم للمنتخب المجري وهو في السابعة عشرة من العمر.
ومع تأزم الوضع في المجر خلال الحرب العالمية الثانية، رحل كوبالا مع أسرته إلى تشيكوسلوفاكيا، حيث كان لوالده جذور تشيكية، وهناك لعب لنادي براتسلافا، ونال جنسية والده وانضم للمنتخب التشيكي وشارك معه في 11 مباراة دولية.
وبعد تألقه في تشيكوسلوفاكيا، عرض عليه نادي فازاس العودة إلى المجر، ووافق شرط أن يعود بعد عام واحد للعب في إيطاليا، ولكن النادي رفض الالتزام بالاتفاق، ولم يسمح له بالمغادرة، فقرر اللاعب الهروب، مختبئاً داخل سيارة عسكرية تنقل بضائع سوفييتية إلى النمسا.
وبعد عبوره إلى إيطاليا حيث العروض المغرية من يوفنتوس وانتر وبولونيا (الذي كان حينها من كبار الأندية الأوروبية)، أصدر الاتحاد المجري قراراً بإيقافه من ممارسة كرة القدم مدى الحياة وأبلغ الاتحاد الدولي بهذا القرار، لتنتهي حياة كوبالا الكروية وهو في الثانية والعشرين من عمره.
وفي إيطاليا أقام كوبالا داخل معسكر اللاجئين مع بقية الهاربين من أوروبا الشرقية أثناء الحرب العالمية، ولم يكن أمامه سوى العمل حتى ينفق على زوجته وأولاده.
ومن وقت لآخر كان يلعب مع فريق اللاجئين مباريات استعراضية حقق من خلالها شهرة كبيرة، إلى أن ذهب مع ذلك الفريق لأداء مباراة ودية في إسبانيا، تألق فيها وخطف أنظار ريال مدريد الذي عرض عليه اللعب له.
ولأن كوبالا اشترط على الريال التعاقد أيضاً مع شقيق زوجته الذي كان يعمل مدرباً لفريق اللاجئين، رفض النادي المدريدي إتمام التعاقد معه، الأمر الذي دفع برشلونة لقبول الشرط، وتعاقد مع المجري الذي أصبح لاحقًا أحد أساطير النادي الكتالوني.
أحلام لم تمُتْ
يعد اللاعب الكرواتي لوكا مودريتش أحد أبرز لاعبي العالم حالياً. كيف لا وهو الذي يقود خط وسط واحد من أكبر فرق العالم (ريال مدريد)، والذي حصد معه ثلاثة ألقاب دوري أبطال أوروبا وعدة ألقاب عالمية ومحلية أخرى منها الدوري الإسباني وكأس الملك والسوبر الإسباني والأوروبي وغيرها.
ولد “لوكا” البالغ من العمر حالياً 32 عاماً في مدينة زادار الكرواتية، قبل أن يعيش قصة لجوء ومعاناة كانت كفيلة بأن تقضي على أحلامه لولا تألقه اللافت في عالم كرة القدم.
وبدأت رحلة معاناة هذا اللاعب في بداية التسعينيات من القرن الماضي خلال الحرب الكرواتية، حين فرّ مع عائلته من مدينته سادار في يوغسلافيا السابقة عندما استولت صربيا على مناطق كبيرة من بلاده وقتلت جده، ثم تنقل بين عدة مخيمات للاجئين حتى نهاية الحرب.
بعدها عاد “مودريتش” إلى مدينته وانضم في سن الـ 16 إلى دينامو زغرب، وفي عام 2008 انتقل إلى توتنهام الإنجليزي وأمضى أربع سنوات في ملعب “وايت هارت لاين” حتى بات أيقونة الفريق والنجم الأول له.
وفي 2012 انضم إلى صفوف النادي ريال مدريد، بطلب من مدرب الملكي السابق جوزيه مورينيو، وتم ذلك بعد مشوار طويل وشاق من المفاوضات بين ريال مدريد وتوتنهام.
تجاوز المأساة
ربما هي من القصص الأليمة بين اللاعبين، تلك التي رسمت مسار حياة النيجيري فيكتور موسيس، لاعب تشيلسي الإنجليزي في الوقت الحالي.
عاش “موسيس”مع والدته ووالده الذي كان قساً كاثوليكيا في نيجيريا، حيث كان تنظيم” بوكو حرام” يقوم بعمليات إرهابية.
وعندما بلغ الحادية عشرة من عمره شهد مقتل والديه على يد المتطرفين، ليغادر بعد ذلك البلاد مباشرة، حيث قام عمّه بجلبه إلى لندن.
وهناك دخل موسيس عالم الكرة، وهو ما ساعده على نسيان الصدمة التي عاشها بعد مقتل ذويه، ثم بدأ اللاعب الدولي مسيرته مع أشبال نادي كريستال بالاس الإنجليزي.
وفي عام 2012 انتقل إلى تشيلسي ليتم بعدها إعارته إلى ليفربول و ستوك سيتي ثم إلى ويستهام، قبل يُثبت أقدامه في تشيلسي مجدداً، حيث يُعد حالياً من أفضل لاعبي مركز الجناح في أوروبا.
من البلقان إلى إيطاليا
بعد مرور 18 جولة من عمر الدوري الايطالي، يتربع “هيساي” رفقة نابولي على صدارة جدول الترتيب بأرقام وإحصائيات دفعت كبرى الأندية الأوروبية لطلب وده على رأسهم بايرن ميونخ وآرسنال مع يوفنتوس.
قصة النجاح التي يعيشها اللاعب الألباني بدأت في تسعينات القرن المنصرم، حين دخلت تيرانا عاصمة الجمهورية الألبانية في صدام عنيف مع جمهورية يوغوسلافيا، ليعيش “هيساي” فترة طفولته في أجواء مشتعلة من التوتر والحرب شهدتها منطقة البلقان، فالطفل الذي ولد في مطلع شباط 1994، قُدر له أن يشهد الحرب الأهلية الألبانية بعد أقل من ثلاثة أعوام على مولده.
هذه الحرب أدت إلى تشريد أكثر من 700 ألف ألباني كان من بينهم والد “هيساي” الذي فضل اجتياز البحر الأدرياتيكي الذي يربط شبه جزيرة البلقان بإيطاليا، حيث استقر به الأمر في مدينة بسكارا.
هجرة الوالد أعقبها هجرة الابن الذي بدأ يشق طريقه حديثاً في عالم كرة القدم، بعد أن جمعت الصدفة والده بأحد وكلاء اللاعبين الذي قام بدوره بتقديم “هيساي” إلى نادي إمبولي حيث كانت الانطلاقة الأولى للاعب الذي أصبح لاحقًا من أهم عناصر فريق نابولي المتصدر الحالي لترتيب الدوري الإيطالي.
شاكيري السويسري
لدى اللاعب شيردان شاكيري قصة أخرى لا تختلف كثيراً عن باقي اللاعبين المهاجرين في أوروبا. فقد ولد اللاعب عام 1991 في كوسوفو، وبعد عام من ولادته قررت أسرته الهروب من يوغوسلافيا السابقة إلى مكان آمن خوفاً على الأطفال.
اتجهت أسرة “شاكيري” إلى سويسرا واستقرت في قرية بالقرب من مدينة بازل، حيث انضم إلى فريق الناشئين في نادي بازل عندما كان في الثامنة من عمره، وهناك تمكن من جذب أنظار المسؤولين في النادي إلى خفته وموهبته الكروية.
في عام 2012 انتقل اللاعب إلى بايرن ميونيخ الألماني، إلا أنه لم ينجح في حجز مكان دائم بين اللاعبين الأساسيين في الفريق، لينتقل إلى انتر ميلان الإيطالي في 2015، العام الذي عرف فيه انخفاضاً كبيراً في مستواه مما أدى رحيله سريعاً إلى صفوف ستوك سيتي الإنجليزي الذي يمضي معه حالياً موسمه الثالث.
لكن قصة شيردان لم تقف عند اللعب لعدد من الأندية الكبرى في أوروبا بل حصل أيضاً على الجنسية السويسرية وبات يلعب في المنتخب الوطني السويسري منذ عام 2014.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث