صدى الشام- مثنى الأحمد/
رغم أنه لا يعتبر الأقوى في العالم، ومستوى الإثارة فيه أقل من بطولات أخرى أقل أهمية منه، إلا أن الدوري الألماني لكرة القدم شهد في الأعوام الأخيرة أكبر معدل حضور جماهيري بين الدوريات الأوروبية الكبرى.
وسيطر الألمان على ترتيب الدوريات الأكثر متابعة من حيث عدد الجماهير المتواجدة بالملعب ليحتلّ المرتبة الأولى خلال المواسم الأربعة الماضية، متفوقًا على جميع البطولات الأوروبية، إذ وصل متوسط الحضور في الموسم الماضي إلى حوالي 42,609 متفرج في كل مباراة، وهي نسبة لم تتحقق في أي دوري بالعالم.
وتفوق “البوندسليغا” على أقوى الدوريات الأوروبية مثل “البريميير ليغ” في إنجلترا و”الليغا” الإسبانية والدوري الإيطالي، حيث كانت الجماهير الألمانية الأكثر حضوراً على المدرجات ومساندةً للأندية التي تشجعها، علماً أن الدوري الألماني يحلّ في المركز الثاني عالمياً من ناحية الحضور الجماهيري في جميع الرياضات بعد دوري كرة القدم الأميركية؛ اللعبة الأبرز في أميركا.
ويأتي نادي بروسيا دورتموند الألماني على رأس قائمة تضم أكثر من 100 نادٍ تأتي الجماهير لمتابعتهم في المدرجات، حيث يتواجد 27 نادياً من ألمانيا (16 نادٍ من البوندسليغا و11 نادٍ من دوري الدرجة الثانية)، وهي أرقام توضح أن ألمانيا تملك أعلى حضور جماهيري لمباريات كرة القدم من باقي البلدان، وتفسير ذلك يتلخص في عدة عوامل.
السعة القصوى وميزات أخرى
باستثناء ملعب “كامب نو” 99 ألف مقعد، و”سانتياغو برنابيو” 80 ألف في إسبانيا، إلى جانب “ويمبلي” 90 ألف و”سان سيرو” 80 في إنجلترا وإيطاليا، فإن الملاعب الألمانية تعتبر الأكبر من ناحية السعة القصوى لعدد المقاعد في المدرجات، مما يعني أن إمكانية الحضور الجماهيري للمباراة الواحدة أكبر مقارنة مع باقي المباريات في دوريات أخرى.
ويعد “سيغنال ايدونا بارك” الخاص بنادي بروسيا دورتموند أكبر الملاعب الألمانية سعةً للجماهير، إذ يتسع لقرابة 81.5 ألف متفرج، غالباً ما تمتلئ عن آخرها خصوصًا في مباريات دوري الأبطال، وفي الأحوال العادية تتجاوز نسبة الحضور الـ 98 %.
بينما يأتي ملعب “أليانز أرينا” معقل بايرن ميونخ ثانياً بسعة تصل إلى 75 ألف متفرج، وهو عدد تدرس إدارة بايرن ميونخ زيادته في المستقبل كونه لا يغطي العدد الحقيقي للجماهير الراغبة في القدوم ومشاهدة مباريات العملاق البافاري بشكل مباشر.
وهناك أيضاً ملعب برلين الأولمبي الذي احتضن المباراة النهائية لمونديال 2006 بين فرنسا وإيطاليا، ونهائي دوري الأبطال 2015 بين برشلونة ويوفنتوس، والذي يتم اختياره بشكل متكرر لاحتضان المواعيد الكبرى نظراً لسعته التي تصل إلى 70.5 ألف متفرج، وجودة مدرجاته وأرضيته والمرافق الخاصة به، وهي ميزة لجميع الملاعب في ألمانيا ومن شأنها أن توفر زيادة ملحوظة فى معدل الحضور الجماهيري كل عام، وذلك يعود إلى اللوائح الصارمة التي يتبعها الاتحاد الألماني لضمان جودة الملاعب و سهولة الحصول على التذاكر، وهذه عوامل قد لا تتوفر في إيطاليا وإسبانيا مثلًا إلى جانب بعض الملاعب في إنجلترا رغم حداثتها.
فارق كبير
هناك عامل آخر يؤدي لامتلاء المدرجات في مواجهات “البوندسليغا”، وهو السعر المنخفض لتذكر دخول الملاعب والذي يعد الأرخص بين الدوريات الأوروبية الكبرى، فالفارق كبير جداً في أسعار تذاكر المباريات في ألمانيا مقارنة مع إنجلترا (الأغلى عالمياً)، وإسبانيا وإيطاليا.
ففي الدوري الإنجليزي الممتاز بلغ متوسط سعر التذاكر الموسمية 518 جنيه إسترليني، حيث تُعد تذكرة الدخول إلى ملعب “الإمارات” لحضور مباراة لنادي الأرسنال هي الأغلى على الإطلاق في جميع الدوريات الأوروبية بقيمة وصلت إلى 891 يورو، ويأتي نادي تشيلسي ثانياً بـ 750 يورو، وهذه الأسعار وضعت من قبل النادي مباشرةً للمشتركين سنوياً، أما سعر التذكرة في السوق السوداء فيزيد أضعافاً مضاعفة، فمثلاً وصلت قيمة تذكرة الدخول لمشاهدة مباراة ليستر سيتي ضد توتنهام التي تقام يوم الـ 28 من الشهر الحالي، إلى حوالي 237 يورو، حسب المواقع المتخصصة ببيع تذاكر الدوري الممتاز.
وفي إسبانيا وإيطاليا قد يصل متوسط سعر التذاكر إلى 90 يورو للمباراة الواحدة، وقد تصل إلى أسعار “فلكية” تبدأ من 437 يورو وصولاً إلى 2100 يورو (لمدرجات الـ VIP)، وذلك إذا ما تواجه الغريمان ريال مدريد وبرشلونة في مباراة الكلاسيكو، بينما تبدأ أسعار تذاكر حضور مباراة ديربي إيطاليا بين إنتر ميلان ويوفنتوس من 211 يورو.
أما في ألمانيا، فاتحاد الكرة يحدد سقفاً لسعر التذاكر من أجل تحفيز الجماهير للذهاب إلى المدرجات، وقد وضعت مجلة “سبونسورز” الألمانية دراسة عن أسعار التذاكر في الدوري الألماني، وذلك بقياس سعر أقل تذكرة مفردة (لمباراة واحدة) يقدمها كل نادي، وسعر أغلى تذكرة مفردة يقدمها، إضافة لأقل وأغلى سعر يقدمه النادي للتذاكر السنوية.
وأظهرت النتيجة تفاوتاً كبيراً بين الأندية، وهذا بطبيعة الحال يعود لأهداف واستراتيجيات كل نادي وشعبيته وسعة ملعبه، وغيره من الأسباب التي تتحكم بأسعار تذاكر كل نادٍ، إذ يُعد نادي لايبزيغ صاحب أغلى متوسط لبيع التذاكر الموسمية لكنه تحت الحدّ القانوني.
وتتراوح أسعار التذاكر المفردة للمباريات بين 8 يورو و 94 يورو، بينما متوسط سعر أرخص تذكرة موسمية هو 169 يورو، ومتوسط قيمة أغلى تذكرة موسمية هو 687 يورو.
سبب إضافي
إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الدوري الألماني يضمّ 18 فريقاً وليس 20 فريقاً مثل الدوريات الأربعة الأخرى (يزيد كل فريق في الدوريات الأربعة بأربع جولات عن الدوري الألماني)، فإن هناك سبب آخر يلعب دوراً في هذه المسألة، وهو قانون (50+1)، الذي تم تشريعه لمنع الشركات والمستثمرين من السيطرة على الأندية كما يحدث في إنجلترا وإيطاليا وفرنسا وحتى إسبانيا.
هذا القانون تم وضعه لحماية الأندية الألمانية كي لاتتحول من أندية ينتمي لها الجمهور ويمتلكها المجتمع إلى أندية تجارية تهدف إلى الربح، وبالتالي إفساد مصدر المتعة الرئيس للعائلة والفرد الألماني.
ففي عام 1998 وبعد السماح للشركات بالاستثمار في الأندية الألمانية، وضعت الرابطة الألمانية لكرة القدم شروطاً لهذا الاستثمار ومن ضمنها قانون 50+1 الشهير، والذي ينص على أن النادي يجب أن يبقى متحكماً بالقوى التصويتية بامتلاكه 50٪ + صوت واحد على الأقل من مجموع القوى التصويتية لشركة النادي الأم.
ومما يجهله البعض، أن بإمكان المستثمر أن يتملك حتى 100٪ من أسهم النادي بشرط أن لا تكون له قوة تصويتية أكثر من 49.9٪، أي أن يكون شريكاً محدوداً (يملك لكن لا يسيطر ولا يدير).
هذا القانون يُشعر الجماهير أنها تمتلك النادي فعلياً لأنه يتيح للأعضاء المشاركة في صناعة القرار، لذلك نرى أن الجماهير الألمانية تتعلق بأنديتها بشكل كبير وتذهب لمتابعة معظم المباريات، وهذا ما يتجلى في حالة بروسيا دورتموند الذي يمر الآن بفترة سيئة جداً جعلته يتنازل عن الصدارة لصالح منافسه المباشر بايرن ميونخ، متراجعاً للمركز الرابع على سلم الترتيب، إلى جانب خروجه المبكر من دور المجموعات في مسابقة دوري أبطال أوروبا.
لكن قانون (50+1) يواجه بعض بعض الانتقاد الآن بسبب ارتفاع أسعار انتقالات اللاعبين، وتزايد سيطرة المستثمرين الأجانب على أندية الدوريات الأوروبية الأخرى، مما دفع بشخصيات كبيرة على مستوى الكرة الألمانية للمطالبة بإلغاء هذا القانون، وكان آخرهم “كارل هاينز رومينيغه” الرئيس التنفيذي لنادي بايرن ميونخ، الذي دعا للاستعانة بالمستثمرين لرفع القدرة الاقتصادية للأندية الألمانية.
ويضاف إلى ما سبق، أن شراء العضوية في الأندية الألمانية رخيص جداً وليس كباقي البلدان المجاورة، باستثناء نادي لايبزيغ، والذي تجاوز العديد من القواعد لكن بشكل قانوني كما أسلفنا، وهو ما يجعله أكثر نادٍ مكروه في ألمانيا رغم الإنجازات التي حققها في الموسم الماضي الذي كان أول موسم له في “البوندسليغا”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث