صدى الشام _ عدنان علي/
يشهد الشهر الجاري حركة سياسية نشطة تستهدف في المجمل رسم ملامح التسوية في سوريا لمرحلة ما بعد أفول تنظيم “داعش” في ظل محاولات متواصلة من جانب ثلاثي أستانا (روسيا وايران وتركيا) للاتفاق على خطوط عريضة بشأن مقومات هذه التسوية، مع شبه غياب أميركي عن المسرح السياسي، فضلاً عن غياب الأطراف العربية التي كانت فاعلة في المشهد السوري.
يأتي ذلك، بينما تشهد مختلف جبهات القتال تسخيناً متصاعداً في محاولة من الأطراف المتصارعة لتوسيع سيطرتها وتعزيز مواقفها قبل الحسم السياسي.
ولعل نظام بشار الأسد والمحور الذي يدعمه كانوا الأنشط في الافادة من هذه المتغيرات التي أسهموا هم في صنعها إلى حد بعيد، بينما تعيش القوى المناهضة لهم أوقاتاً ليست ذهبية مع محاولات مستمرة لرفع الغطاء عن قوى الثورة السورية عسكرياً وسياسياً من جانب القوى نفسها التي يفترض أنها تدعمها.
إنقاذ أم اغتيال القيادات؟
وفي سياق التطورات الميدانية التي تصب في مصلحة النظام، لجهة تمكينه على الأرض، وإعادة تعويمه سياسياً، تمكنت الميليشيات الأجنبية المُساندة للنظام من فرض سيطرتها على آخر مدينة تحت سيطرة تنظيم “داعش” وهي مدينة البوكمال بريف دير الزور الشرقي، وذلك في إطار العملية التي تقودها هذه الميليشيات المسماة “الفجر 3” حيث انسحب عناصر التنظيم إلى شمال نهر الفرات على الضفة الشرقية.
ووفقاً لمصادر إعلامية تابعة لميليشيا حزب الله اللبناني فإن “والي البوكمال في تنظيم داعش المدعو أبو حسن العراقي والمسؤول البارز في التنظيم المدعو صدام الجمل ومسؤول آخر يدعى أبو سمية الأنصاري، وصلوا عبر الأنفاق إلى شرق الفرات، برفقة نحو 150 عنصراً من التنظيم، فيما قام آخرون بتسليم أنفسهم لقوات سوريا الديموقراطية”.
من جهتها، نفّذت قوات التحالف الدولي في سوريا عملية إنزال جوي في بلدة غرانييج التي يسيطر عليها تنظيم “داعش” في شرق دير الزور، وهي عملية قالت مصادر إعلامية تابعة لنظام الأسد أن هدفها سحب عدد من مسؤولي تنظيم “داعش” الأجانب، بينما قتل ثمانية مسلَّحين سوريين من التنظيم.
وسبق للتحالف الدولي أن نفّذ العديد من عمليات الإنزال الجوي في مناطق “داعش”، معلناً من خلالها اغتيال عدد من قيادات التنظيم، لا سيما في شرق وجنوب دير الزور، فيما تقول روسيا والنظام إن هدف هذه العمليات هو إنقاذ قيادات التنظيم.
وكانت قوات النظام مدعومة بميليشيات أجنبية سيطرت على قرية الحمدان ومطار الحمدان العسكري في محيط مدينة البوكمال بريف ديرالزور الشرقي، فيما سيطرت “قوات سوريا الديمقراطية” على المزيد من القرى بريف ديرالزور الشرقي، وسط غارات جوية لطائرات التحالف الدولي .
انحسار “الجيش الحر”
وبينما يعزز كل من نظام الأسد والميليشيات الكردية حضورهما في شرق البلاد، اتجهت فصائل “الجيش الحر” في تلك المنطقة والمدعومة من التحالف الدولي إلى الانحسار والتقوقع في قاعدة التنف ومحيطها بطلب من قيادة التحالف وغرفة الموك.
وقد أثار قرار فصيل “جيش مغاوير الثورة” المدعوم من الولايات المتحدة والمتمركز في قاعدة التنف تسريح العشرات من عناصره تكهنات بقرب حل الفصيل نهائياً، برغم نفي ذلك من قيادة الفصيل.
وتأتي عملية التسريح عقب انتهاء العمليات العسكرية ضد تنظيم “داعش” في محيط قاعدة التنف، وبالتزامن مع الحديث عن اتفاق أمريكي- روسي في المنطقة، يقضي في مرحلته الأولى بتسليم قوات النظام كامل الشريط الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، وفي المرحلة الثانية سحب الولايات المتحدة وبريطانيا قواتهما من قاعدتي التنف والزكف باتجاه قاعدة “الأزرق” داخل الأردن. وحسب صحيفة “تلغراف” البريطانية فإن بريطانيا سحبت آخر جنودها المكلفين تدريب مقاتلي المعارضة في نهاية حزيران الماضي.
وأعلن “جيش مغاوير الثورة” قبل أيام أنه دمّر قاعدة “الزكف” العسكرية، في البادية السورية، قبل الانسحاب منها، بينما ذكرت تقارير إعلامية أن القوات الأمريكية و”المغاوير” سلّما القاعدة التي تبعد 75 كيلومترًا عن التنف، بموجب اتفاق مع الروس .
يأتي ذلك في وقت تلاشت فرص فصائل البادية التي ينحدر معظم منتسبيها من مدينة دير الزور في المشاركة بالمعارك ضد تنظيم “داعش” في المنطقة والتي يتنافس فيها اليوم طرفان رئيسيان هما النظام والميليشيات التي تدعمه، والميليشيات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة والتحالف، بينما جرى تجميع معظم عناصر الفصائل العربية في قاعدة التنف ومحيطها، وسط طلب صريح من هذه الفصائل بالتوجه الى داخل الأردن “حفاظاً على أرواح مقاتليها وعوائلهم” كما جاء في رسالة جرى تسريبها، وصلت إلى تلك الفصائل من المندوب الأميركي في غرفة عمليات “الموك” ومقرها في الأردن.
وتضم فصائل البادية إضافة الى “جيش مغاوير الثورة” الموجود أصلاً في قاعدة التنف كلاً من “جيش أسود الشرقية” و”قوات أحمد العبدو” فضلاً عن “لواء شهداء القريتين” الذي أعلنت واشنطن في آب الماضي أنها قطعت الدعم عنه بسبب قيامه بأنشطة لا تستهدف محاربة تنظيم “داعش”، والمقصود محاربة قوات النظام، دون التنسيق مع قيادة التحالف.
ويرى مراقبون أن المصير المجهول لا يحيط بفصائل المعارضة المدعومة أميركياً في تلك المنطقة وحسب، بل بالوجود الأميركي نفسه الذي يبدو بلا هدف واضح، خلافاً للوجود الروسي- الإيراني الذي يعمل بوضوح واصرار على تثبيت النظام هناك، وتسليمه كل منطقة الحدود، بما في ذلك قاعدة التنف.
تسخين في الغوطتين
أما المعركة الأخرى البارزة فتدور رحاها في الغوطة الشرقية بريف دمشق، حيث شنت فصائل المعارضة هجوماً على “إدارة المركبات” في مدينة حرستا، شرقي دمشق في الـ 15 الشهر الجاري وسط تصعيد جوي مكثف من الطيران الحربي التابع للنظام على الأحياء السكنية للغوطة الشرقية، خلّف العشرات من الضحايا والجرحى.
وحققت الفصائل (أو بالأحرى فصيل “أحرار الشام” وحده في ضوء امتناع بقية الفصائل عن المشاركة في هذا العمل العسكري لسبب غير معلوم) تقدماً كبيراً في الساعات الأولى من المعركة، وسيطرت على أجزاء واسعة من الإدارة، وبقيت نقطة واحدة وهي المعهد الفني لإحكام السيطرة عليها كاملة، وسط تساؤلات عن قدرة الفصائل على تثبيت نقاطها داخلها، أو الانسحاب إلى خطوطها الأولى.
وحسب خريطة السيطرة الميدانية، لا يمكن السيطرة على كامل إدارة المركبات دون السيطرة على حي العجمي والحدائق وحي الجسرين، وإرجاع نفوذ قوات النظام إلى المنطقة التي تلي عقدة مواصلات حرستا، إلى جانب السيطرة الكاملة على طريق حرستا- عربين، وهذه مناطق يرابط في مواجهتها كل من فيلق الرحمن وجيش الاسلام اللذين ما زالا يمتنعان عن المشاركة في المعركة باستثناء مبادرة الفيلق إلى قصف بعض مواقع النظام لعدة ساعات فقط.
وتقع إدارة المركبات في مثلث حرستا- عربين- مديرا، وتمتد على مساحة واسعة تصل إلى نحو أربعة آلاف متر مربع، وتعتبر أكبر ثكنة عسكرية لقوات النظام في الغوطة الشرقية.
وتتكون الإدارة من ثلاثة أقسام رئيسية: قسم الإدارة ويضم القيادة الرئيسية والمباني الإدارية، والقسم الثاني يضم الرحبة العسكرية 446، ويعتبر القسم الأكبر مساحةً وهو المسؤول عن إصلاح السيارات العسكرية بجميع أنواعها ويقع بين حرستا وعربين. أما القسم الثالث فهو المعهد الفني الذي يقع بين حرستا وعربين ومديرا، ويعد مسؤولًا عن إصلاح الدبابات العسكرية. وتوجد في الإدارة أعداد كبيرة من مقاتلي نظام الأسد وخاصة من قوات الحرس الجمهوري، إضافة إلى تسليح بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة وراجمات الصواريخ ومستودعات أسلحة متنوعة. وتحولت الإدارة بعد سيطرة فصائل المعارضة السورية على الغوطة الشرقية إلى مركز عمليات ومركز إمداد لعمليات النظام داخل الغوطة.
وبالتزامن مع المواجهات العسكرية في إدارة المركبات، صعّد الطيران الحربي التابع للنظام قصفه على مدن وبلدات الغوطة الشرقية. ووفق إحصائية نشرها مركز الغوطة الإعلامي فإن 14 طفلًا وثماني نساء قتلوا نتيجة القصف الجوي المركّز على مدن وبلدات الغوطة الشرقية. وطال القصف الذي شمل استخدام غاز الكلور السام مستودعات المساعدات الإنسانية في مدينة دوما.
كما تدور اشتباكات عنيفة بين قوات المعارضة والنظام في الغوطة الغربية خاصة في بيت جن ومحيطها، حيث استهدفت قوات النظام البلدة ببرميل يحوي مادة غاز الكلور السام ما تسبّب بوقوع عدة حالات اختناق، وذلك بعد قصف مكثّف بالبراميل المتفجرة على البلدة وعلى بلدة كفر حور المجاورة.
ومع استخدامها سياسة الأرض المحروقة، تمكنت قوات النظام والميليشيات المساندة لها من السيطرة على نقطتين عسكريتين في محيط بلدة كفر حور بريف دمشق الغربي.
سباق المؤتمرات
وبالتوازي مع التصعيد الميداني، تلتئم عدة مؤتمرات محلية ودولية على صلة بالتطورات في سوريا، تستهدف تحديد ملامح المرحلة المقبلة مع اقتراب العمليات العسكرية ضد “داعش” من نهايتها. وفي هذا الإطار يُعقد مؤتمر “الرياض 2” في السعودية لتشكيل جسم سياسي موحد من المعارضة يمثلها في المرحلة المقبلة وسط ضغوط على هذه المعارضة لتبديل خطابها السياسي ليكون أكثر “ليونة” واعتدالاً، أي باتجاه القبول بوجود رأس النظام بشار الاسد في المرحلة الانتقالية. وبالتزامن مع هذه التطورات اجتمع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، مع نظيريه الروسي سيرغي لافروف والإيراني محمد جواد ظريف في مدينة أنطاليا التركية، لبحث تطورات “الأزمة السورية”.
يأتي ذلك غداة اجتماع في منتجع سوتشي الروسي يجمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيريه الروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني، يبحث الخطوات التي يتوجب اتخاذها في المرحلة المقبلة.
ويلاحظ مراقبون أن الدول الثلاث (روسيا وتركيا وإيران) وهي الدول الضامنة في مفاوضات أستانا والتي كانت توصلت في وقت سابق من العام الجاري إلى الاتفاق المبدئي بشأن إقامة مناطق “خفض التصعيد” في سوريا، باتت في وضع “تحالف الضرورة” في ظل السلبية التي تهيمن على الموقف الأميركي منذ عهد الرئيس السابق باراك اوباما.
وفيما أشار أردوغان في تصريحاته أمس إلى تحقيق “تقدم حقيقي في الموقف المشترك مع إيران وروسيا فيما يخص الوضع في سوريا”، يبدو هذا التقدم معرّضاً للخطر في ظل الأهداف المتباينة لأطراف هذا “التحالف” خاصة الطرف الإيراني الذي يبدو متصادماً أو مرشحاً للتصادم، مع مواقف جميع الأطراف الأخرى بما فيها تركيا وروسيا أيضاً، بينما تتعزز التفاهمات بين بوتين وأردوغان اللذين التقيا قبل أيام في اجتماع جمعهما حول سوريا في مدينة سوتشي الروسية، بالتزامن مع توتر علاقة كل منهما مع الأميركيين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث